د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… ذهب السودان.. النداء الأخير يا وزير المعادن

في كل المطارات، للنداء الأخير وضعه الخاص… نداء لا يحتمل التأجيل ولا المجاملة.
إنه إعلان الفرصة الأخيرة للحاق بالطائرة؛ فإما أن تدركها، وإما أن تغادر وأنت تحمل خسارة المال والوقت والفرصة، وتظل تراقب الطائرة وهي تحلق إلى آفاق جديدة، بينما أنت واقف خلف بوابة المغادرة.
وهكذا تبدو لي اليوم قصة ذهب السودان.
إنها واحدة من الفرص الأخيرة أمام الاقتصاد السوداني، وربما أمام وزير المعادن شخصيًا، ليضع التعدين في مساره الصحيح، ويحوّل هذا المورد من ثروة تتسرب عبر التهريب إلى مورد حقيقي يمول الدولة، ويحرك الاقتصاد، ويدعم إعادة الإعمار.
يا وزير المعادن… هذا هو النداء الأخير.
بطاقة الصعود الحقيقية إلى طائرة الذهب موجودة في أيدي أهل التعدين الأهلي والتقليدي.
هؤلاء، بحسب التقديرات المتداولة، ينتجون نحو 85% من الذهب السوداني؛ أي أن الحديث عن 100 طن كهدف إنتاجي يعني أن ما يقارب 85 طنًا يأتي من هذا القطاع.
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا ينبغي أن تبقى معلقة:
كم عدد مواقع ومعسكرات التعدين الأهلي والتقليدي في السودان؟
كم عدد العاملين فيها؟
هل يمتلك هؤلاء بطاقات عمل وسجلات واضحة؟
هل تعرف الدولة حجم إنتاج كل منطقة؟
هل تقدم لهم الخدمات الأساسية التي تجعل وجود الدولة في مناطق التعدين أمرًا ملموسًا؟
هل توفر لهم الحوافز التي تجعل بيع الذهب للدولة أكثر جاذبية من بيعه للمهربين؟
والسؤال الأكبر:
لماذا يذهب المنتج إلى المهرب بدلًا من أن يأتي إلى الدولة؟
لا يكفي أن نقول إن التهريب موجود.
ولا يكفي أن نطارد المهربين في النهاية بينما نترك الأسباب التي تدفع المنتج إلى التعامل معهم.
الحل يبدأ من موقع التعدين نفسه.
نريد أن نرى وزير المعادن في جولات ميدانية حقيقية، لا جولات بروتوكولية. نريده بين المعدنين، يسمع منهم مباشرة: ماذا يريدون؟ ما الذي يعطلهم؟ لماذا لا يبيعون إنتاجهم للدولة؟ وما الذي يمكن أن تقدمه الدولة حتى يصبح بيع الذهب عبر القنوات الرسمية هو الخيار الطبيعي والأكثر فائدة لهم؟
الذهب لا يحتاج إلى خطب… يحتاج إلى نظام.
نحتاج إلى حصر مواقع التعدين، وتسجيل العاملين، ومعرفة الإنتاج، وتوفير الخدمات والحوافز، وفتح قنوات شراء رسمية وسريعة وعادلة، وربط المنتج مباشرة بالدولة أو بالقنوات الرسمية التي تضمن له سعرًا منافسًا وسدادًا موثوقًا.
أما أن نستهدف إنتاجًا يبلغ 100 طن أو أكثر، ثم لا يدخل إلى خزينة الدولة حتى ربع هذا الرقم، فهذه ليست مشكلة ذهب فقط؛ إنها مشكلة إدارة مورد.
وإذا كانت التقديرات تقول إن إنتاج السودان الحقيقي أكبر من الأرقام الرسمية، فهنا تكون الكارثة أكبر: الثروة موجودة، والإنتاج موجود، لكن الدولة لا تملك ما يكفي من أدوات القياس والسيطرة والتحفيز لتحويله إلى قيمة اقتصادية رسمية.
يا وزير المعادن…
الطائرة لم تغادر بعد.
لكن صوت النداء الأخير أصبح واضحًا.
إما أن نلحق بطائرة التعدين الأهلي، ونحوّلها إلى قاطرة لاقتصاد السودان وإعادة إعماره، وإما أن تهبط هذه الطائرة في مطار التهريب، وتضيع معها مليارات الدولارات التي يحتاجها السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.
اذهبوا إلى مواقع التعدين.
احصروا المعدنين.
اسمعوا منهم.
قدموا لهم الحوافز.
اشتروا الذهب.
أوقفوا أسباب التهريب قبل أن تلاحقوا نتائجه.
فالسودان لا يملك رفاهية إضاعة المزيد من الفرص.
يا وزير المعادن… النداء الأخير:
توجه إلى بوابة تنمية وإعمار السودان…
استعد للإقلاع.



