مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب… من الإستاد إلى الإسناد!!

إن أمواج التآمر حين تتكسر على صخرة الإرادة، لا ترسم الجغرافيا وقتها حدود الأوطان، وإنما يخطها صهيل الشعوب.

 

فمن قلب “إستاد الخرطوم”—الذي تحول في لحظة فارقة إلى مجرة من الغضب النبيل والأمل العريض—انبثقت طليعة الأمة في زحفٍ هادر يناهز السبعين ألفاً من الشباب. لم تدعُهم منصات التواصل الاجتماعي، ولم تحشدهم آلات الدعاية المأجورة، ولكن استدعاهم نداء الدم والواجب في مبادرة “ما نسيناكم” لدعم القطاع الصحي؛ فجاءوا كالقدر النافذ، بلا ظهير سوى الحق، ولا راية سوى السودان.

فلقد تجلت في هذا الطوفان البشري الشبابي الخالص عبقرية التنظيم الشبكي العصامي ودقة الربط والترابط ؛ ليجئ صرحٌ شُيّد في الخفاء بعيداً عن أضواء الإعلام، ليؤكد أن الشباب إذا تداعى بصدق، صهر الفوارق وأذاب الانتماءات الضيقة. وخرس الشتات الشتيت، واضمحلت الطائفية المقيتة، وجسّد هؤلاء الفتية حقيقة ناصعة كالشمس: إن التحزب مرضٌ عضال لم يورث البلاد إلا التشرذم والهوان، وأن الوطن وحده هو الحزب الكاسح، والطائفة الجامعة، والعقيدة الوطنية التي لا تقبل التجزئة.

تأتي هذه الملحمة في لحظة سياسية فارقة تضج بالدلالات؛ فبينما كانت أروقة المجتمع الدولي تنشغل بالدعايات والمناورات لمنع رئيس مجلس السيادة من مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة وتغييب صوت السودان عن المحفل العالمي، جاء الرد صاعقاً ومزلزلاً من قلب العاصمة: الشرعية لا تُستجدى من المنصات الدولية المكبوتة، بل تُنتزع من الاحتشاد الشعبي العارم. فمن استعصى عليه منبر نيويورك، فتحت له الخرطوم ثغرة النصر ونافذة المبتغى؛ فاستمد القائد من ذاك الزخم شحنة عاتية من الراحة النفسية والطاقة الإيجابية النابضة، والتي تجلت في خطابه الحار الذي نزع فيه رداء الرسميات وتحدث بلغة الشباب ، فكان الحوار صهيراً بين قائدٍ يستند إلى أمة، وشبابٍ يبصمون بالدم على خيار الصمود.

إن ثورة “ما نسيناكم” لم تكن صرخة مجردة، ولكنها كانت إعلان ميلاد لعهدٍ جديد يجب أن ينتقل فوراً من حماس الإستاد إلى خندق الإسناد. إن هذه الطاقات المترعة بالحيوية مدعوة اليوم لتحويل زخمها إلى ثورة إعمار شاملة؛ وملحمة تشمر فيها السواعد الفتية لتطهير وترميم المستشفيات، وتشييد صروح الجامعات، وإعمار المساجد، وبناء ما دمرته سواتر الحرب والفتنة.

لقد قالها سبعون ألف ثائر بأعلى صوت: لن تُكسر إرادة أمة شبابها سياجها، ومن رحم المحن يُولد الفجر. إن السيل قد بلغ الزبى، والمسيرة التي انطلقت من مدرجات إستاد الخرطوم لن تتوقف إلا عند ذرى الإسناد والبناء الشامل. بإذن الله تعالى..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى