مقالات الظهيرة

من العيوب المجتمعية: التدخل في شؤون الغير!!

بقلم: علاء الدين محمد ابكر:

من أخطر العادات التي تسللت إلى نسيجنا الاجتماعي، وصرنا نمارسها دون أن نشعر، عادة “التدخل في شؤون الغير”. عادة تُغلف بالفضول أحياناً، وبالطيبة أحياناً أخرى، وبالغيرة في أحيان كثيرة، لكنها في النهاية سلوك يهدم ولا يبني.

 

تبدأ بمجرد سؤال: “ما هو عملك؟”، “لماذا لم تتزوج بعد؟”، “كم مرتبك؟”، “أين ساكن؟”، “ليه ما عندك عربية؟” أسئلة تُلقى في المناسبات، في الشارع، في المواصلات، وحتى في التعليقات على مواقع التواصل. وقد يظن صاحبها أنه “يطمئن” أو “يقطع الملل”، لكنه في الحقيقة يضع الآخر في زاوية ضيقة، ويجبره على تبرير حياته أمام شخص لا يملك أي حق في مساءلته.

 

على المستوى المجتمعي، هذا السلوك يحوّل المجتمع من مجتمع متعاون ومتراحم إلى مجتمع رقيب. مجتمع يقيس قيمة الإنسان بما يملك، وبما حقق، وبما ظهر منه. عندما نسأل الشاب “ليه ما اتزوجت؟” ونحن نعلم أن ظروف البلد والغلاء حالت دون ذلك، نحن لا نطمئن عليه، بل نذكره بعجزه. وعندما نسأل الموظف “شغال وين وبتقبض كم؟” نحن نزرع المقارنة والحسد والضغينة بين الناس.

 

التدخل يفتح باب النميمة والتنظير. فما إن تُعرف قصة أحدهم حتى تصبح مادة للحديث: “مسكين والله، لسه ما اتوظف”، “البت دي عمرها فاتها القطر”. وهكذا ننتقل من سؤال بريء إلى حكم قاسٍ، ومن فضول إلى تشهير. وهذا يخلق مجتمعاً يخاف من بعضه، ويخفي إنجازاته وهمومه، ويعيش بقناع حتى لا يكون عرضة لأسئلة “الطمأنينة” المؤذية.

 

أما على المستوى النفسي، فأثر هذا السلوك عميق ومؤلم. الإنسان بطبعه يحب أن يحتفظ بمساحة خاصة، مساحة لا يدخلها إلا من يثق به. وعندما تُنتهك هذه المساحة بسؤال سخيف، يشعر بضغط نفسي كبير.

 

أول الأضرار هو الإحساس بالنقص. فتكرار الأسئلة عن الزواج والعمل والمال يجعل الشخص يشعر أنه “متأخر” أو “ناقص” حتى لو كان يسير في طريقه الصحيح. وثانيها التوتر والقلق الاجتماعي، حيث يبدأ الناس في تجنب المناسبات واللقاءات خوفاً من سيل الأسئلة، فينعزلون ويبتعدون، ويخسر المجتمع تفاعلهم. وثالثها فقدان الثقة، فعندما يجد الإنسان أن خصوصيته مستباحة، يفقد الثقة في من حوله، ويصبح حذراً وبارداً في علاقاته. فبدل أن نقرب الناس منا، نبُعدهم عنا بسؤال.

 

ديننا الحنيف سبقنا بالحل: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. وقاعدة الذوق تقول: “اسأل عن الحال، ولا تسأل عن التفاصيل”. الاطمئنان الحقيقي هو كلمة طيبة، وابتسامة، و”كيفك؟ طمني عنك”. أما التفاصيل فهي ملك لصاحبها، يبوح بها متى شاء ولمن شاء.

 

فلنربِّ أنفسنا وأبناءنا على احترام الخصوصية. فالمجتمع الراقي ليس هو الذي يعرف كل شيء عن الجميع، بل هو الذي يحترم أن لكل شخص حياته التي لا تعنينا. لنمنح الناس حقهم في الصمت، وحقهم في الاختيار، وحقهم في أن يحكوا قصتهم في الوقت الذي يناسبهم. عندها فقط سنعيش بسلام، ونخفف على بعضنا أعباء الحياة.

 

علاء الدين محمد ابكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى