ياسر محمد محمود البشر يكتب…. كيـف حسـم إسلاميـــو الجزيرة معركة اتحاد المزارعين!!
*لم تكن انتخابات اتحاد مزارعى مشروع الجزيرة والمال التى جرت أمس الأول مجرد استحقاق نقابى لإدارة أكبر مشروع زراعى يعتمد على الرى الفيضى فى إفريقيا بل جاءت بمثابة زلزال سياسى محلى أعاد رسم خريطة القوى النفوذية فى عمق الريف السودانى.
حيث أسفرت نتائج الاقتراع عن اكتساح كامل ومطلق لقائمة الإسلاميين بنسبة ١٠٠٪ حاصدين جميع مقاعد المكتب التنفيذى البالغ عددها ثمانية عشر مقعداً، فى خطوة صادمة لجميع القوى المنافسة والمراقبين للمشهد السياسي المحلى*.
*ورغم مشاركة عدة قوائم منافسة تنوعت بين المستقلين ممثلى التيارات المدنية وبعض القوى الاتحادية واليسارية إلا أن البناء التنظيمى الصلب والخبرة التاريخية التي يمتلكها التيار الإسلامي فى أوساط المزارعين حسما المعركة لصالحهم بفارق شاسع إن قراءة هذه الانتخابات خارج سياقها العام تعنى العجز عن فهم ديناميكيات الشارع السودانى فالجزيرة بكتلتها الديموغرافية والاجتماعية الضخمة تمثل دائماً الترمومتر الحقيقى للوزن الانتخابى والاتجاهات الفكرية في ولايات الوسط والولايات الشمالية ويمكن القول هذه النتيجة أثبتت الحضور الطاغى للإسلاميين في الجمعيات العمومية والروابط الزراعية ليس مجرد نفوذ إدارى طارئ بل هو تغلغل هيكلى واستثمار ممتد لعقود في شبكات الخدمات والروابط الاجتماعية والائتمانية التي تمس حياة المزارع اليومية*.
*وتأتى هذه العودة الانتخابية الكاسحة لتشكل رسالة مباشرة لمهندسى الخرائط السياسية والداعين لإقصاء التيار الإسلامى من المستقبل السياسى حيث أثبتت صناديق الاقتراع أن التجريف السياسى والتضييق الإدارى لم يؤثرا على كفاءتهم في التعبئة والتنظيم ويرى العديد من المحللين أن انتخابات اتحاد مزارعى الجزيرة تُعد بمثابة تمرين إحماء ونموذج مصغر لما يمكن أن تسفر عنه أى انتخابات عامة قد تشهدها البلاد مستقبلاً بغض النظر عن زمانها أو ظروفها السياسية ومن بتضح إن الاقتراع النقابى في المشروع أظهر بشكل واضح أن الفئات الشعبية والإنتاجية العريضة فى السودان تميل نحو الخيارات المحافظة والتنظيمات المتماسكة التى تمتلك برامج عمل ملموسة وقدرة على إدارة المؤسسات المعقدة بدلاً من الشعارات السياسية المجرّدة*.
*وبناءً على هذه المعطيات أصبحت فكرة استبعاد هذا التيار من المعادلات المستقبلية مجرد وهم يناقض الواقع الميدانى إذ لا يمكن تجاوز كتلة جماهيرية قادرة على حسم الدوائر الانتخابية المعقدة بنسبة كاملة دون ترك أي منفذ للمنافسين وتظل انتخابات إتحاد مزارعى الجزيرة شهادة إثبات على أن الصندوق الإنتخابى هو الحاكم الفعلى للتوازنات فى السودان وأن التجربة النقابية الأخيرة ليست سوى مؤشر مبكر لما سينجلى عنه أي استحقاق ديمقراطى مرتقب فى المشهد السودانى المقلب ولو بعد ١٠٠ عام قادمة*.
yassir.mahmoud71@gmail.com



