مقالات الظهيرة

علاء الدين محمد أبكر يكتب…. أرجوكم.. لا توقفوا التكايا !!

لعبت “التكايا” والمطابخ الجماعية دوراً مفصلياً في إنقاذ أرواح آلاف المواطنين خلال الحرب الأخيرة، بعد أن فقد كثيرون مصادر رزقهم بين ليلة وضحاها. في بلاد مثل السودان، حيث يصعب على الفرد تعويض ما فقده من أموال وسيارات ومتاجر، وحيث لا توجد جهة رسمية مستعدة لتقديم العون المباشر، أصبحت التكية هي خط الدفاع الأخير عن كرامة الجوعى.

 

اكتفى المواطنون بإبلاغ أقسام الشرطة عن ممتلكاتهم المنهوبة وهم يعلمون أن البلاغ لا يعيد سيارة محروقة ولا يفتح متجراً كان عامراً بالبضائع. ومن كان قادراً على العمل قبل الحرب، وجد نفسه اليوم يعمل في مهن هامشية “لا تسمن ولا تغني من جوع”، وبالكاد توفر ثمن رغيف الخبز. هنا، وفي قلب هذه الفجوة، ظهر دور التكايا لسد الفراغ وإطعام الأفواه التي لا تملك ثمن وجبتها.

 

1/ عندما توقفت الرواتب، وأُغلقت الأسواق، ونُهبت المدخرات، كانت قدور التكايا تغلي. أطعمت النازح الذي فقد بيته، والموظف الذي فقد راتبه، وصاحب المتجر الذي فقد بضاعته. قدمت ما المنظمات عن تقديمه: وجبة ساخنة يومية بلا أسئلة وبلا أوراق.

 

2/ في السودان اليوم لا توجد آلية لتعويض المواطن عن ما فقده. لا تأمين، لا صندوق كوارث، لا برنامج إغاثة حكومي فعّال. البلاغ في قسم الشرطة هو نهاية المطاف. المواطن الذي كان يملك سيارة أجرة أو دكاناً صغيراً أصبح اليوم بلا مصدر دخل، ومن يعمل الآن في “رزق اليوم باليوم” لا يكاد دخله يكفي الماء والخبز. التكية بالنسبة له ليست صدقة، بل حق في البقاء.

 

3 / قد يرى البعض أن دور التكايا انتهى مع هدوء أصوات المدافع. لكن الحقيقة أن آثار الحرب لم تنته. ربما شعر بعض القائمين على أمر التكايا أن الوقت قد حان لإغلاقها، لكن الواقع يقول غير ذلك. فما زال هناك آلاف الأسر التي تعتبر صحن العدس أو البليلة وجبة رئيسية، تعادل بالنسبة لأطفالها ومرضاها وكبار سنها وجبة السمك والفراخ. على الأقل هي تسد أفواهاً كانت ستنام جائعة.

 

4/ يمنعه الحياء من الجهر بحاجته. أسر كانت مستورة قبل الحرب، أصبحت اليوم تقف في صف التكية وتخفض رأسها. هؤلاء لا يطلبون، لكنهم ينتظرون. إغلاق التكايا يعني إغلاق باب الستر الأخير في وجوههم.

 

وعلى رأي مثلنا الشعبي “البرقص ما بغطي دقنو”، أقولها بالفم المليان: لا تغلقوا باب الأمل.

 

عبر هذه الكلمات أوجه رسالة صادقة إلى القائمين على أمر التكايا وفاعلي الخير: أرجوكم لا توقفوا باب الخير هذا. ما زال الجرح مفتوحاً، وما زال الجوع حاضراً، وما زالت الحرب تلقي بظلالها على موائد الفقراء. التكية اليوم ليست عملاً خيرياً عابراً، بل هي شريان حياة. فلا تقطعوه

 

علاء الدين محمد ابكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى