مقالات الظهيرة

المستشار طارق عثمان عباس يكتب….. اغلاق مضيق هرمز… منظور قانوني!!

مضيق هرمز، مفردة تم تداولها بكثافة اثناء الحرب الأخيرة، وتناولها المحللون السياسيون والعسكريون خاصة مع تكرار الاغلاق و الفتح لهذا المضيق ، حتى اصبح بمثابة الشيطان الذي يكمن في تفاصيل المفاوضات التي تجري الان في باكستان.

ولإلقاء قليل من الضوء حول المضايق او الممرات البحرية بصفة عامة وخضوعها لقواعد القانون الدولي العام ، وبصفة خاصة الوضع القانوني لمضيق هرمز ، اقدم بعض الحقائق القانونية البسيطة حوله .

المضيق بصورة عامة وفقا للفهم الجغرافي او الطبيعي، وكما عرفته بعض المعاجم الجغرافية مثل (قاموس أكسفورد للجغرافيا و الجمعية الجغرافية الوطنية) هو ممر مائي طبيعي يتسم بالضيق النسبي مقارنة ببقية المساحة المائية.

وهو بهذا يفصل بين كتلتين من اليابسة ويربط بين مسطحين مائيين أكبر (بحرين أو محيطين ) ، بفهم مبسط هو عبارة عن عنق او منطقة ضيقة جدا من الحاجز المائي وبه قدر من الاتساع ، بحيث يسمح بمرور السفن العملاقة وتحيط به رقعة كبيرة من اليابسة بجانبيه الشرقي والغربي.

من اهم المضايق الطبيعية العالمية، مضيق جبل طارق و الذي يربط بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي ، ومضيق باب المندب والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وهو يسهم في نقل النفط إلى أوروبا، ومضيق هرمز والذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي ويعتبر اهم ممر بحري لتجارة النفط العالمية لذا ، اسهم اغلاقه و انعدام الامن فيه اسهاما ادى الى زيادة أسعار النفط العالمية لأكثر من 60% عن السعر الذي كان سائدا قبل الحرب المر الذي أدى الى التأثير السالب على اسعار سلع أخرى في اطار الترابط الطبيعي للاقتصاد العالمي .

تاريخيا و في ظل صراع العالم على الموارد والأرض شهد العالم حربين عظيمتين هما الحرب العالمية الأولى و التي كان نتاجها معاهدة الصلح الأولى والتي عرفت بمعاهدة فرساي والتي وقعت في العام 1919م.

وهي الاب الشرعي لعصبة الأمم التي قامت من اجل الحفاظ على السلم العالمي ،وكذلك منظمة العمل الدولية الا ان عصبة الأمم فشلت في تحقيق أهدافها السامية التي قامت من اجلها ، لذا اعقبتها الحرب العالمية الثانية ، والتي انجبت اتفاقية الصلح التي تلتها منظمة الأمم المتحدة و التي هدفت لتجنب النزاعات الدولية مستقبلا.

و استدامة السلام ، كذلك كان لها الحظ الاوفر في صناعة قواعد القانون الدولي ، والاتفاقيات المنظمة لحفظ الامن والسلم العالمين ، وقد سنت بعض الجزءات القانونية التي تضمن تطبيق القانون الدولي و خلقت اليات لتنفيذ هذه العقوبات ، مثل مجلس الأمن .

نظم القانون الدولي العام من خلال مجموعة من الاتفاقيات كيفية استخدام الممرات المائية الدولية وذلك من خلال خلق توازن بين سيادة الدولة على المياه الإقليمية وحق الدول الاخرى بالمرور خلالها ومن اهم التشريعات الدولية في هذا الصدد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982.

واتفاقية جنيف المنظمة لحق المرور البريء لعام 1958. ويرى فقهاء القانون الدولي ان هذه الاتفاقيات هي الأساس التشريعي الأهم في تنظيم استغلال البحار و هي بمثابة القانون الأساسي في هذا الصدد .

تناولت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 ، بالتشريع و التنظيم موضوعات مختلفة مثل تنظم الملاحة، وحماية البيئة البحرية، والبحث العلمي، ونقل التكنولوجيا البحرية واهم من ذلك حددت مناطق السيادة الدولية لكل دولة و عرفت حدود المياه الإقليمية والمياه الدولية .

وحتى يمكننا التعرف على الوضع القانوني لمضيق هرمز فقد قسمت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حق المرور في المضايق الى نوعين النوع الأول هو حق المرور العابر ( Transit Passage ) و الذي جاءت الإشارة اليه في المادة (37) من الاتفاقية والمواد التي تلتها.

وهذا الحق يعني ان تمر السفن والطائرات مرورا امنا سريعا و مستمرا عبر المضيق ، والمقصود بالمرور السريع و المستمر هو ان تمر الطائرة او السفينة دون توقف الا لضرورة قصوى.

ويمكن تشبيه المرور هنا بمرور السيارات في أراضي الدول الأخرى ، عند الحصول على تأشيرة المرور ( العبور) التي تعطى للسيارات لعبور الإقليم الأرضي للدول الأجنبية.

( وهذا تشبيه مع الفارق ولكن لتقريب الصورة في ذهن القارئ غير المختص في المجال القانوني ) ، وفي هذه الحالة تحد الاتفاقية من سيطرة الدولة المطلة على المضيق وتقيد اطلاق رقابتها على المرور.

فالدولة هنا لا تمارس كامل سيادتها كممارستها لتلك السيادة على المياه الإقليمية والغرض من ذلك هو خلق حالة من حالات التوازن بين مصلحة التجارة العالمية وحرية البحث العلمي العالمي من جانب وحق الدول في ممارسة السيادة على اقليمها المائي بما يضمن حمايتها ودفاعها عن نفسها من جانب اخر ، وهو حق ارسته قواعد القانون الدولي العام .

الحق الثاني الذي اتاحته الاتفاقية لسفن الدول الأخرى هو حق المرور البريء ( Innocent Passage ) وهنا تمنع الطائرات من المرور وتتمتع السفن فقط بالمرور ، و تشترط الاتفاقية ان يكون المرور بريئا حتى تتمتع به السفن ، والمقصود بالبراءة هنا خلو المرور من الاضرار بمصالح الدولة ، سواء كان اضرارا عسكريا مثل اعمال التجسس او الاعتداء او زرع الغام بحرية.

او ضررا بيئا يؤدي الى التلوث ، وهذا الحق ليس على اطلاقه اذ يمكن للدولة تعليق المرور البريء موقتا و ذلك لأغراض الحفاظ على امنها البيئي والعسكري او لأغراض التفتيش وفرض الرقابة للتأكد من عدم الاضرار وبراءة المرور ، ونلاحظ هنا أيضا ان التشريع الدولي هدف الى الموازنة بين سيادة الدولة على إقليمها المائي وحرية الملاحة العالمية .

والسؤال الجوهري هنا و الذي يحاول خبراء السياسة و فقهاء القانون الإجابة عليه هو هل يحق لإيران ان تغلق المضيق في وجه الملاحة وفقا للقانون الدولي ، اذا نظرنا الى اراء أمريكا و إسرائيل فانه لا يجوز الاغلاق.

حيث ان الاتفاقيات المنظمة لعمل المضيق كاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 ، واتفاقية جنيف المنظمة لحق المرور البريء لعام 1958 ،لا تسعفان ايران لاتخاذ اجراء اغلاق المضيق و يعتبر هذا القول نظريا صحيحا الى حد ما ، بينما يرى فقهاء القانون الدولي الذين يؤيدون الموقف الإيراني انه يحق لإيران اغلاق المضيق طالما ان مقاتلات العدو وسفنه يمكن ان تمر فتحدث ضررا امنيا.

وهذه الحالة تندرج تحت الاستثناء الوارد على حالات المرور البريء ، وذلك لشبهة الاضرار وانتفاء قرينة البراءة عن المرور، كذلك تستند ايران الي حقها في الدفاع عن نفسها وفقا لنص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة ، والتي تنص على الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها، وهذا الحق يرد عليه قيد ابلاغ الدولة المعنية لمجلس الامن فور وقوع الاعتداء و ان تبلغه كذلك بما اتخذت من إجراءات.

علما بان هذا الحق ينقضي فور اتخاذ مجلس الامن للأجراء اللازم لصد العدوان ، وهذا الحق اشبه بحق الدفاع الشرعي الذي تنظمه القوانين الجنائية الداخلية للأفراد داخل الدولة ، فكما ينقضي حق الدفاع الشرعي بتدخل السلطات الداخلية المختصة كالشرطة او النيابة ، ينقضي حق الدولة فور تدخل مجلس الامن .

وفي راي المتواضع ان القانون الدولي وفقا لواقع الحال يطبق الان بشكل انتقائي و الدليل على ذلك عجز مجلس الامن عن اتخاذ أي اجراء في الحرب الدائرة منذ اكثر من شهر رغم مساسها بأمن و اقتصاد كل العالم.

اضف الى ذلك ان احد اهم أسباب الحرب هو الادعاء بتطوير ايران لقوتها النووية.

وهو امر يخالف حسب هذا الزعم معاهدة حظر الأسلحة النووية ، والتي تم اعتمادها في عام 2017 تحت رعاية الأمم المتحدة، ودخلت حيّز التنفيذ في 22 يناير ، 2021 ومن الطرائف ان ايران احدى الدول الموقعة عليها ( الا انها لم تصادق عليها بعد) بينما أمريكا وبقية الأعضاء الدائمين في مجلس الامن لم يوقعوا على الاتفاقية كما انهم ليسوا أطرافا فيها وظلت ايران تتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهي الجهة المنوط بها المراقبة بينما كل الدول الكبرى لم تتعاون باعتبار ان احكام الاتفاقية لا تشملها.

لعله من المعلوم ان تطبيق حرفية النصوص من ناحية نظرية يؤدي الي الاجتياح الداخلي لإيران مما يتنافى مع حق الدفاع الشرعي ، لذا فلا مناص لإيران من اتخاذ التدابير التي تحمي امنها وهو امر واقع الان.

وحتى لا يتضرر الاقتصاد والسلم العالميين ينبغي على الدول المشاركة في هذه الحرب تبني اليات الحل السلمي للنزاعات الدولية، كالتفاوض الذي يجري الان ، او الوساطة او التحكيم والقضاء الدولي ان تشعبت الأمور.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى