مقالات الظهيرة

ظل العزة والكرامة…. امي حكاية رحلة وجع لم تنته برحيلك.. ودمعة لا تجف بغيابك!!

بقلم: مصطفي محمد احمد ادريس:

– لم يكن رحيلك يا أمي مجرد فراق عابر ولم تكن رحلة علاجك مجرد ايام صعبة مرت وانتهت بل كانت حكاية وجع محفورة في اعماق روحي ومشوارا طويلا من الالم والصبر والدموع عشت تفاصيله معك لحظة بلحظة وما زلت اعيشه كل صباح كلما فتحت عيني وبحثت عن وجهك بين تفاصيل الحياة فلا اجد سوى الذكريات وصدى صوتك الذي لا يغيب .

 

– منذ ان دخلت العناية المكثفة كنت اجلس بالقرب منك اراقب وجهك واتأمل ملامحك التي انهكها المرض والأجهزة التي احاطت بجسدك الطاهر كنت انظر اليك طويلا احاول ان اقراء ما تخفيه عيناك من الم واتمنى لو استطعت ان احمل عنك بعضا من اوجاعك كنت اشعر بمعاناتك وكأن الالم يسكن جسدي انا وكلما اشتد عليك الوجع انكسرت في داخلي اشياء لا يعلمها الا الله .

 

– واحيانا قبل ان تسوء حالتك كنت تتحدثين الي فتسبق دموعي كلماتي وكأن قلبي كان يستشعر الفراق قبل اوانه عندها كنت تقولين لي بصوتك الحنون اصبر يا ولدي ياها حال الدنيا وعافية ورضيانة عليك .

 

– يا الله كم كانت هذه الكلمات تقلب كياني كيف لأم تتألم ان تواسي ابنها وكيف لقلب يواجه كل ذلك الوجع ان يظل مشغولا بطمأنة من يحب كنت اخرج احيانا من العناية المكثفة لا لأنني اريد الابتعاد عنك بل لأنني لم اعد احتمل النظر الى معاناتك فأجلس وحدي اردد كلماتك واستحضر وجهك الصابر واتساءل في صمت هل اقترب موعد الفراق الذي اخشاه .

 

– لقد تحملت يا أمي من الاوجاع ما تعجز الكلمات عن وصفه انبوب المعدة وغسيل الكلى والجلطات المتحركة ومضاعفات المرض التي كانت تتوالى عليك من مرحلة الى اخرى وكلما ظننا ان بابا من ابواب المعاناة قد اغلق انفتح امامنا باب جديد من الالم .

 

– ثم جاءت رحلة العلاج الشاقة من مدينة سنار الى مروي الى مستشفى الضمان وهناك بدأت فصول اخرى من الحكاية تأخرت حالتك واشتد الالم وتكاثرت المضاعفات واصبح كل يوم يحمل وجعا جديدا وكل مرحلة رحلة قائمة بذاتها من المعاناة .

 

– يا الله يا الله ما اقسى ان ترى امك تتألم امام عينيك ولا تملك سوى الدعاء ما اصعب ان تسمع انينها وترى جسدها يتقلب من شدة الوجع بينما تقف عاجزا لا تستطيع ان تخفف عنها ولا ان تنتزع منها لحظة واحدة من الالم .

 

– كنت اتمنى لو استطيع ان اقتسم معك وجعك او اضع راسي مكان راسك واحمل عنك ما اثقل جسدك وروحك لكنني لم اكن املك الا يدا تمسك بيدك ودمعة اخفيها عنك ودعاء ارفعه الى السماء راجيا من الله ان يمنحك الشفاء والراحة .

 

– لم تفارقني صورتك منذ رحلة الاسعاف الى مروي مرورا بأقامتك في مستشفى الضمان بكل ما حملته تلك الايام من خوف وانتظار وألم وحتى رحلة العودة الى مدني كان الطريق طويلا على قلبي وكانت كل لحظة تمر كأنها عمر كامل لم تكن المسافات هي المتعبة وحدها بل كان خوفي عليك وعجزي امام مرضك وثقل الأسئلة التي تدور في رأسي دون اجابة .

 

– عدنا الى مدني لكن الالم لم يغادرنا وظللت اتشبث بالامل واقاوم الخوف بالدعاء حتى جاءت اللحظة التي لم اكن اريد ان اصدق انها ستأتي يوما .

 

– لحظة رحيلك يا أمي اللحظة التي انطفأ فيها شيء عظيم بداخلي .

– عندما اسلمت روحك الطاهرة الى بارئها انقطع نفسي لثوان واظلمت الدنيا في عيني وامتلأت اذناي بطنين غريب وكأن العالم كله قد توقف فجأة لم اعد اشعر بما حولي ولا بما يجري من حولي جلست عاجزا عن الحركة حتى شعرت بأن الدم قد توقف في رجلي وحين حاولت النهوض عجزت عن تحريكهما .

 

– يا الله اي وجع هذا الذي يسكن الصدر ولا تراه العيون واي حزن هذا الذي يجعل الانسان يشعر وكأن احشاءه تتمزق من الداخل كان الالم كجمرة مشتعلة في جوفي وكانت روحي تصرخ بصمت ولا اجد ما افعله سوى الاستسلام لقضاء الله وقدره وترديد لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

 

– في تلك اللحظة ادركت انني لم افقد امي وحدها بل فقدت السند الحقيقي والحنان الذي لا يتكرر والقلب الذي كان يحملني بالدعاء والوجه الذي يمنح الحياة جمالها مهما اشتدت قسوتها شعرت بأن بابا عظيما من ابواب الرحمة في حياتي قد اغلق وان الايام القادمة لن تكون كما كانت قبل رحيلك .

 

– ثم جاء الوداع الاخير غسلناك وكفناك وكل حركة كانت تمزق شيئا في داخلي كنت اراك واحاول ان استوعب انك انت أمي الحبيبة التي كنت اجلس الى جوارها في المستشفى وانتظر ان تفتح عينيها وتتحدث الي اصبحت الان صامتة لا تجيب ولا تلتفت الى ندائي .

 

– ومع ذلك تسلل الى قلبي شيء من الصبر واليقين فقد ادركت انك ارتحت من اوجاع الدنيا وان الجسد الذي انهكه المرض لم يعد يتألم وانك رحلت الى رب رحيم ارحم بك من كل خلقه كان ذلك عزائي الوحيد وسط بحر من الدموع .

 

– وبعدها بدأت رحلة اخرى رحلة نقل جثمانك من مدني الى سنار حيث مثواك الاخير كان الليل في منتصفه والاجواء ممطرة والطريق مثقلا بالذكريات والوجع كنت امسك بك، واتلمس جسدك واقبلك واودعك مرة بعد مرة وكأن قلبي يرفض ان يصدق ان هذه هي رحلتنا الاخيرة معا .

 

– يا أمي كم تمنيت ان تكون تلك الرحلة ككل الرحلات السابقة وان اصل بك الى مكان جديد للعلاج وان اراك تستعيدين عافيتك وان اسمع صوتك يناديني من جديد لكن هذه المرة لم تكن هناك عودة الى المستشفى ولا انتظار لنتائج العلاج ولا امل في ان تفتحي عينيك وتطمئنيني بكلماتك المعتادة .

 

– وصلنا الى منزلك في شرق سنار وكان للمنزل وداع اخر وللجدران حكاية اخرى من الحزن ثم حملناك الى مثواك الاخير مع بزوغ الفجر وواريناك الثرى وتركناك بين يدي الله العزيز الرحيم امانة في رحمة من لا تضيع عنده الودائع .

 

– عدت من هناك لكن شيئا مني بقي معك يا امي ومنذ ذلك اليوم لم يمر يوم دون ان ارفع يدي الى السماء، وادعو الله ان يرحمك ويغفر لك ويؤنس وحشتك وينير قبرك ويجعله روضة من رياض الجنة .

 

– ما زلت اراك كل صباح وما زلت اسمع كلماتك وما زلت اعيش تفاصيل رحلتك من جديد أحيانا اشعر وكأنك قريبة مني وكأن صوتك سيأتي من مكان ما ليقول لي اصبر يا ولدي فأصبر بقدر ما استطيع ، وابكي بقدر ما يحمل قلبي واترك ما عجزت عنه بين يدي الله .

 

– رحمك الله يا أمي الغالية يا ام الكل يا حنونة القلب يا طيبة الروح يا من علمتني الصبر والرضا والإيمان بقضاء الله وقدره .

 

– اللهم اغفر لها وارحمها وعافها واعف عنها واكرم نزلها ووسع مدخلها وانس وحشتها ونور قبرها واجعله روضة من رياض الجنة اللهم اجزها عني وعن كل من احبت خيرا واجعل كل ألم تحملته رفعة في درجاتها وكل دمعة ذرفتها طهرا لها وكل لحظة صبر عاشتها في ميزان حسناتها .

 

– اللهم اني استودعك أمي وانت خير من استودعنا عنده الودائع فاجعلها في نعيم لا ينقطع ورحمة لا تزول واجمعني بها في جناتك حيث لا مرض ولا ألم ولا فراق .

 

– أمي رحلتِ عن عيني لكنك لم ترحلي عن قلبي غبت عن الدنيا لكن دعائي لك لن يغيب وسيظل اسمك يسكن روحي ما حييت .

 

– رحمك الله يا أغلى من فقدت وجعل الجنة دارك والفردوس الاعلى مقامك وجمعنا بك في مستقر رحمته يوم لا فراق بعده ولا وجع ولا دموع .

 

انا لله وانا اليه راجعون .

____________

🖋️ *بقلم ابنك البحبك : مصطفي محمد احمد ادريس*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى