مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… خطاب مناوي… فرصة للتقدم إلى الأمام… لا لقوى جديدة بأموال دافعي الضرائب… نعم لدمج القوات وبناء السلام وإعمار دارفور

تابعت الانفعالات والردود والتأويلات التي صاحبت الخطاب الأخير لحاكم إقليم دارفور، أركو مناوي، الذي أعلن فيه رفضه تكوين قوى جديدة، أو صناعة «جنجويد جديد» بأموال دافعي الضرائب وعلى حساب الدولة السودانية.

 

والحقيقة أن هذا الخطاب، بدلاً من أن يكون مدخلاً لسجال سياسي جديد، ينبغي أن يكون فرصة للتقدم إلى الأمام، ومراجعة مسار طويل من الأخطاء التي دفعت بلادنا أثمانها دماً ودماراً وتشريداً.

 

أولاً، أركو مناوي رجل معروف بصراحته ووضوحه، وطريقته في طرح المواقف ليست جديدة على أحد. وكما يقول المثل السوداني: «الفي قلبو على لسانو». ولذلك، فإن الأجدى هو التعامل مع مضمون حديثه ومناقشة ما يطرحه من قضايا، بدلاً من الانشغال بالتأويلات والبحث عن مقاصد أخرى وراء كلماته.

 

وثانياً، فإن مناوي يتحدث من واقع تجربة إقليم دفع أهله ثمناً باهظاً من القتل والاغتصاب والحرق والدمار والنزوح والتشرد على أيدي مليشيات الدعم السريع. تلك المليشيات التي كان الهدف المعلن من إنشائها مواجهة تمرد الحركات المسلحة، فإذا بها تتحول إلى مصدر للرعب والخراب، وتصبح جزءاً من المأساة التي أفرغت مناطق واسعة من سكانها وهددت النسيج الاجتماعي للإقليم.

 

وما حدث في الخرطوم ومدن السودان الأخرى ليس بعيداً عما عرفته دارفور من قبل؛ فقد امتدت المأساة واتسعت رقعتها، حتى أصبح السودانيون في مختلف الأقاليم يدفعون ثمن السلاح المنفلت والمليشيات التي تنمو خارج سلطة الدولة ومؤسساتها.

 

فهل نريد أن نكرر التجربة نفسها، ثم ننتظر نتائج مختلفة؟

 

إن رفض تكوين قوى مسلحة جديدة يجب ألا يكون موقفاً سياسياً عابراً، بل ينبغي أن يتحول إلى مبدأ وطني ثابت: لا لتكرار تجربة المليشيات، ولا لإنشاء تشكيلات مسلحة موازية بتمويل من خزينة الدولة، ولا لإعادة إنتاج الأزمة تحت أي مسمى أو غطاء سياسي أو قبلي.

 

فأموال دافعي الضرائب أولى بها المستشفيات والمدارس والكهرباء والمياه والطرق وإعادة الإعمار، لا تمويل دورات جديدة من الحروب التي تستنزف موارد البلاد وتضاعف معاناة المواطنين.

 

من رفض المليشيات إلى بناء جيش وطني واحد

 

لكن رفض تكوين قوى جديدة، على أهميته، لا يكفي وحده. فالمطلوب هو الانتقال من الموقف المعلن إلى برنامج عملي واضح.

 

وهنا تبرز مسؤولية حاكم إقليم دارفور، بالتعاون مع قيادة القوات المسلحة وقادة القوات المشتركة، في وضع خطة زمنية واضحة لدمج القوات المشتركة في الجيش السوداني، وفق ترتيبات مهنية وعسكرية منضبطة، تشمل التدريب والتأهيل وتوحيد القيادة والعقيدة العسكرية والولاء للدولة، مع مراعاة أوضاع المقاتلين وحقوقهم وفق القانون.

 

إن القضية ليست مجرد تغيير أسماء أو جمع قوات تحت مظلة واحدة؛ بل بناء مؤسسة عسكرية وطنية لا ولاء فيها إلا للسودان، ولا قرار للحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة الشرعية.

 

ولا يمكن أن تستقيم دولة بجيش رسمي وعدد من الجيوش الموازية، مهما كانت مبررات نشأتها أو طبيعة الظروف التي أوجدتها. فالدول لا تُبنى بتعدد البنادق، وإنما بوحدة القرار والسيادة والقانون.

 

مؤتمر دارفوري… من ذاكرة الحرب إلى مشروع المستقبل

 

أما الخطوة الثانية، فهي الدعوة إلى عقد مؤتمر دارفوري جامع، يضم كل مكونات الإقليم وفعالياته السياسية والاجتماعية والإدارات الأهلية والشباب والمرأة والقوى المدنية، إلى جانب ممثلي النازحين واللاجئين، حتى لا يُترك أصحاب المصلحة الحقيقيون خارج دائرة صناعة مستقبلهم.

 

مؤتمر لا يُعقد لتقاسم المناصب أو إعادة توزيع النفوذ، ولا لإحياء الصراعات القديمة، وإنما لوضع مشروع متكامل للأمن والاستقرار والمصالحة المجتمعية وعودة النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار والتنمية.

 

دارفور ليست مجرد إقليم أنهكته الحرب؛ إنها مساحة واسعة وموارد بشرية وزراعية وحيوانية واقتصادية يمكن أن تسهم بقوة في نهضة السودان كله. ولذلك، فإن استقرارها ليس شأناً محلياً فحسب، بل ضرورة وطنية واقتصادية وأمنية.

 

ولن يتحقق ذلك بالشعارات وحدها، بل بخطة لها أهداف محددة، ومشروعات معلنة، وموازنات معلومة، وجداول زمنية، ومؤشرات أداء يستطيع المواطن من خلالها قياس ما تحقق وما تعثر، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير.

 

لا عودة إلى الجنجويد… ولا صناعة لنسخة جديدة

 

لقد قال أركو مناوي ما لديه بوضوح، وأياً كانت المواقف من شخصه أو تاريخه السياسي، فإن الواجب الآن هو التعامل مع جوهر الرسالة، لا تحويلها إلى معركة جديدة لتبادل الاتهامات.

 

على القوى السياسية والمجتمعية والقيادات العسكرية أن تتقدم لدعمه في المبدأ، وأن تطمئنه وتطمئن أهل دارفور وكل السودانيين بأن ما حدث لن يتكرر، وأن لا عودة للجنجويد، لا في دارفور ولا في أي بقعة من السودان، تحت أي اسم أو لافتة.

 

كما أن مسؤولية الدولة لا تقف عند منع تكوين المليشيات، بل تمتد إلى بسط الأمن، وإرساء العدالة، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وجبر الضرر، وتهيئة الظروف لعودة المواطنين إلى ديارهم آمنين.

 

إنها فرصة للانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة، ومن سباق التسلح إلى سباق التنمية، ومن الصراعات التي مزقت مجتمعنا إلى مشروع وطني جامع يعيد للسودانيين ثقتهم في دولتهم ومستقبلهم.

 

السودان لا يحتمل جنجويداً جديداً، ولا مليشيا جديدة، ولا حرباً جديدة. السودان يحتاج إلى جيش وطني واحد، ودولة تحمي الجميع، وتنمية تصل إلى كل الأقاليم دون استثناء.

 

الآن، تتجه أنظار الناس نحو السودان الجديد؛ السودان الذي يتسع لكل أبنائه، وتُصان فيه كرامة الإنسان، وتكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وتُستبدل فيه ثقافة الإقصاء بثقافة المشاركة والبناء.

 

كل أجزائه لنا وطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى