د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… عندما تجتهد الحكومة في تنمية السخط الشعبي.. من حظر الفول المصري إلى إعادة بواخر المغتربين.. قرارات تزيد معاناة الداخل وتستفز الخارج!!

ما زالت تداعيات قرار حظر استيراد الفول المصري تتسع شعبيًا، بين ارتفاع الأسعار، وغياب البديل المناسب، ثم خروج وزير الزراعة ليعلن أنه ليس صاحب القرار، وأن الأمر يعود إلى مجلس الوزراء!
كان من المفترض أن يخفف هذا التصريح من حدة الأزمة، لكنه جاء ليزيدها إيلامًا؛ فالمواطن الذي يبحث عن لقمة عيشه لا يعنيه كثيرًا من اتخذ القرار بقدر ما يعنيه أثره على حياته، ومن المسؤول عن معالجة نتائجه.
مجلس الوزراء الذي يفترض أن يتقاسم مع الشعب الحرمان في كل ما أصابه، وأن يتداعى معه بالسهر والحمى من أجل راحته، يبدو وكأنه يعامله بمنطق المثل الشعبي: «فين يوجعك، زيدو وجع!»
وكأن ما يعانيه المواطن من غلاء وضيق معيشة لا يكفي، فتأتي القرارات لتضيف إلى معاناته مزيدًا من الأعباء!
واليوم، تحمل الأنباء خبر إعادة ثلاث بواخر تحمل سيارات للمغتربين السودانيين، استنادًا إلى قرار صدر بالأمس ويُطبق فورًا!
تخيلوا المشهد: مغترب شحن سيارته قبل نحو شهر، واستكمل أوراقه وإجراءاته، وتحملت أسرته أوضاع الشحن والتكاليف، ثم وصلت السيارة إلى ميناء بورتسودان، ليُفاجأ بأن قرارًا جديدًا صدر، وأن عليه أن يتحمل تبعاته، وكأن التزامات الناس وأموالهم وأوقاتهم لا قيمة لها!
من أين يأتي هذا النوع من القرارات؟ ومن يفكر للحكومة؟ ومن تستشير قبل أن تضع آلاف المواطنين أمام الأمر الواقع؟
المغتربون ليسوا خصومًا للحكومة
المغتربون السودانيون ليسوا مجرد أرقام في سجلات الجمارك، ولا مصادر إضافية للرسوم والإيرادات؛ إنهم سند حقيقي لأسرهم، وشريان اقتصادي واجتماعي أسهم في صمود ملايين السودانيين خلال سنوات الحرب والأزمات.
ولولا تحويلاتهم ودعمهم المستمر لأسرهم، لكانت معاناة الداخل أشد قسوة مما هي عليه الآن.
فهل يكون جزاء هؤلاء أن يفاجأوا بقرارات تطبق بأثر مباشر على معاملاتهم الجارية، بعد أن التزموا بالإجراءات القائمة وقت الشحن؟
وإذا كانت لدى الحكومة اعتبارات اقتصادية أو تنظيمية تستدعي تعديل سياسة استيراد السيارات، فأين التدرج في التطبيق؟ وأين الترتيبات الانتقالية التي تحمي من أكملوا إجراءاتهم قبل صدور القرار؟
ليس من العدل أن يدفع المواطن ثمن تغيير القواعد بعد أن تصرف على أساسها، وليس من الحكمة أن تتحول القرارات التنظيمية إلى أزمات ثقة بين الدولة ومواطنيها.
هل تربح الدولة شيئًا من خسارة مواطنيها؟
لقد أدى قرار حظر الفول المصري، وفق ما أثاره من تداعيات في السوق، إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغوط على المستهلكين، في وقت تعلم فيه الحكومة أن السيطرة على الأسعار ليست أمرًا سهلًا، وأن منع سلعة أساسية دون توفير بديل مناسب قد ينقل العبء مباشرة إلى مائدة الأسرة السودانية.
وبعد أن أثار القرار سخطًا في الداخل، يأتي ملف سيارات المغتربين ليفتح بابًا جديدًا للاستياء في الخارج.
فهل هذه هي الطريقة التي تريد بها الحكومة إدارة علاقتها بمواطنيها؟
هل كسب السودان شيئًا من إعادة البواخر؟ وهل أجرت الحكومة حسابًا واضحًا للمكاسب والخسائر، بما في ذلك تكاليف التأخير وإعادة الشحن، والأضرار التي تلحق بالمغتربين وأسرهم، والآثار المحتملة على الثقة في الإجراءات الحكومية؟
وهل جرى التشاور مع جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج؟ وهل استمعت الحكومة إلى جمعيات وروابط المغتربين، أو إلى الجهات التي تعرف مشكلاتهم والتزاماتهم عن قرب؟
هذه ليست أسئلة للتشكيك في حق الدولة في التنظيم، بل أسئلة مشروعة عن كيفية ممارسة هذا الحق، وعن ضرورة الموازنة بين المصلحة العامة وحقوق المواطنين.
الحكومة التي لا تستشير.. تدفع ثمن قراراتها شعبيًا
المشكلة ليست في أن تتخذ الحكومة قرارًا ثم تكتشف حاجته إلى المراجعة؛ فالمراجعة فضيلة متى استندت إلى معلومات جديدة. المشكلة أن تصدر القرارات دون دراسة كافية لتداعياتها، ثم تُطبق بصورة مفاجئة، ويُترك المواطن وحده لمواجهة النتائج.
الحكومة التي تريد حماية الاقتصاد الوطني عليها أن تعرف أن الاقتصاد ليس قرارات حظر ومنع فقط، وأن زيادة الإيرادات لا تتحقق بالضرورة بزيادة الأعباء على الناس.
إنها تحتاج إلى مؤسسات تدرس القرار قبل صدوره، وتستشير أصحاب المصلحة، وتقيس أثره على الأسعار والمعيشة والإيرادات، وتمنح الناس فترة انتقالية معقولة، ثم تراجع النتائج بشفافية.
أما أن يصدر القرار اليوم ويُطبق فورًا، دون اعتبار لما سبقه من التزامات، فذلك يفتح الباب للفوضى الإدارية، ويضعف الثقة في الدولة، ويجعل المواطن يتردد في الإقدام على أي معاملة جديدة خشية أن تتغير قواعدها بين ليلة وضحاها.
يا مجلس الوزراء، لا تجعلوا المواطن السوداني يشعر أن حكومته أصبحت عبئًا إضافيًا على معاناته، ولا تجعلوا المغترب الذي يساند أسرته يشعر أن الدولة لا تتذكره إلا حين تريد تحصيل الرسوم منه.
نريد قرارات تحمي الاقتصاد دون أن تجوّع الناس، وتنظم الاستيراد دون أن تهدر حقوق المواطنين، وتزيد الإيرادات دون أن تبدد الثقة.
فالسخط الشعبي لا ينشأ دائمًا من قلة الموارد، بل قد تصنعه قرارات كان يمكن تجنب آثارها لو سبقتها المشورة والدراسة والحكمة.
اللهم لا تولِّ علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.



