مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الفجوة الغذائية.. تحددها القدرة الشرائية… يا حكومة الأمل.. وفرة السلع لا تعني أن الشعب قادر على شرائها!

لا يكفي أن تعقد الحكومة مؤتمراً صحفياً تتحدث فيه عن وفرة الوقود أو توافر المواد الغذائية في الأسواق، دون أن يكون لديها إلمام حقيقي بالقدرة الشرائية للمواطن، ومدى قدرته على الحصول على احتياجاته الأساسية.

 

فالفجوة الغذائية لا تُقاس فقط بما هو متوافر في المخازن والأسواق، ولا بحجم الإنتاج أو الواردات، وإنما بما يستطيع المواطن شراءه فعلياً من تلك السلع.

 

قد تمتلئ الأسواق بالمواد الغذائية، وتكون المخازن عامرة، ومع ذلك تجوع الأسر، لأن ما في جيوبها لا يكفي لشراء ما تحتاج إليه من طعام!

 

هنا تكمن المشكلة الحقيقية التي ينبغي أن تنتبه إليها حكومة الأمل.

 

وتتضاعف أهمية هذه القضية بالنسبة للشرائح الضعيفة ومحدودي الدخل، الذين لا يمتلك كثير منهم دخلاً ثابتاً يمكنهم من وضع ميزانية شهرية واضحة لمنصرفاتهم. هؤلاء يعيشون تحت ضغط يومي، تتغير فيه أسعار السلع من حين إلى آخر، بينما تتراجع قدرتهم على توفير أبسط متطلبات الحياة.

 

ولا يقل عنهم معاناة موظفو الدولة وأصحاب الدخول الثابتة، الذين تتآكل رواتبهم مع تدهور قيمة العملة الوطنية وارتفاع الأسعار. فالراتب الذي كان يكفي أسرة قبل أشهر قد لا يوفر لها اليوم الحد الأدنى من احتياجاتها، حتى وإن لم يتغير عدد أفرادها أو نمط استهلاكها.

 

يا حكومة الأمل.. لا تقيسوا نجاح السياسات الاقتصادية بما يتوافر في الأسواق وحده، بل بما تستطيع الأسر شراءه من ذلك المتوافر!

 

إن مسؤولية واضعي السياسات الاقتصادية لا تقف عند زيادة الإنتاج أو توفير السلع، وإنما تمتد إلى إزالة العقبات التي تحول دون وصولها إلى أكبر عدد من المستهلكين بأسعار تتناسب مع قدراتهم الشرائية.

 

وهذا يتطلب تنسيقاً حقيقياً بين وزارات المالية والزراعة والثروة الحيوانية والتجارة، حتى تتكامل سياسات الإنتاج والتمويل والاستيراد والتوزيع، بدلاً من أن تعمل كل وزارة بمعزل عن الأخرى، وكأنها جزيرة منفصلة عن بقية مؤسسات الدولة.

 

كما أن وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، والجهات المعنية بالحماية الاجتماعية، مطالبة بأن يكون لديها رصد مستمر لمؤشرات الفقر، وأوضاع الأسر المتعففة، والشرائح التي لا تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية.

 

فهل تعرف الحكومة، على وجه الدقة، كم تبلغ تكلفة الغذاء الأساسي لأسرة سودانية متوسطة؟ وكم يمثل ذلك من راتب الموظف؟ وكم أسرة أصبحت عاجزة عن توفير ثلاث وجبات يومياً؟ وما حجم الفجوة بين الحد الأدنى لتكلفة المعيشة ومتوسط الدخول؟

 

هذه ليست أسئلة نظرية، بل مؤشرات ينبغي أن تُقاس بصورة دورية، وتُعلن بشفافية، وتُبنى عليها القرارات الاقتصادية والاجتماعية.

 

ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد بيانات عن وفرة السلع، وإنما منظومة متكاملة تضمن انسيابها، وتحد من تكاليف النقل والوساطة والاحتكار، وتدعم الإنتاج المحلي، وتوفر الحماية للفئات الأكثر تضرراً، مع مراجعة الأجور والمعاشات بما يتناسب مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

 

فلا معنى لدعم الإنتاج إذا لم تنعكس ثماره على المستهلك، ولا جدوى من استقرار الإمدادات إذا ظلت الأسعار خارج متناول غالبية المواطنين.

 

إن الأمن الغذائي الحقيقي هو أن يجد المواطن السلعة، وأن يستطيع دفع ثمنها، وأن يحصل عليها بانتظام، دون أن يضطر إلى الاستدانة أو الاستغناء عن احتياجات أساسية أخرى.

 

والمثل السوداني يقول: «الجوع كافر».

 

فالجوع ليس مجرد نقص في الطعام، بل هو شعور بالعجز والقهر، حين يقف رب الأسرة أمام احتياجات أطفاله ولا يملك ما يوفره لهم. وحين تتسع هذه المعاناة، تتراجع الثقة في السياسات العامة، وتتزايد الضغوط الاجتماعية، وتصبح الأوضاع المعيشية أحد أكبر التحديات أمام استقرار الدولة.

 

يا حكومة الأمل، إن حماية المواطن من الجوع ليست بنداً ثانوياً في أجندة التعافي الاقتصادي، بل هي في صميم مسؤوليتكم الوطنية.

 

فالناس لا تأكل بيانات المؤتمرات الصحفية، ولا تشبع بوعود وفرة السلع؛ إنما تأكل مما تستطيع شراءه.

 

ضعوا القدرة الشرائية للمواطن في قلب سياساتكم، واجعلوا انخفاض تكلفة المعيشة وارتفاع قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها من أهم مؤشرات نجاحكم.

 

فالدولة التي تنجح في توفير السلع ولا يستطيع شعبها شراءها، لم تعالج الفجوة الغذائية، بل نقلتها من رفوف الأسواق إلى موائد الأسر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى