(الشماعة) عباس حديبة يكتب…. كيف نصنع قيودنا منذ الصغر؟

كثيراً ما نبرر إخفاقاتنا الفردية والمجتمعية بـ “نظرية المؤامرة”؛ وهي برمجة فكرية مغلوطة غُرست في عقولنا بعناية منذ الصغر عبر عادات اجتماعية تختلف تفاصيلها من مجتمع لآخر. في هذه البيئة، تنتشر الشائعات بسرعة مذهلة دون أي محاولة لتفكيكها أو فحصها عقلانياً، وتبدأ هذه السلسلة من التبريرات عبر مراحل حياتنا المختلفة:
• مرحلة الطفولة: عند الخسارة في شجار مع الأقران، تأتي التبريرات الجاهزة من الأهل: “الأولاد كِتْروا عليه” أو “فلان أكبر منه سناً”. هنا يولد أول انكسار، ويترسخ الخنوع والقبول بالضعف بدلاً من غرس روح المقاومة والتطور.
• المرحلة الدراسية: عند الإخفاق في الامتحان، تسارع بعض الأسر بعبارات مثل: “ولدنا ده شالوا من نِمَرو”، كإشارة إلى أن المعلم انحاز لأقاربه وسرق جهده، مما يقتل شعور المسؤولية لدى الطالب.
• مرحلة الشباب والجامعة: ينتقل الشخص إلى مربع السحر والحسد عند أي تعثر، فيُقال: “الزول ده من صغير مقشوط عين”، ليركن الشاب ويستسلم واهماً بأنه أسير لأعين الآخرين.
• مرحلة العمل: بعد التخرج، سداً للفجوة بين الواقع والطموح، تظهر شماعة السحر والشعوذة: “الزول دا كاتبنو” (أي معمول له عمل).
• مرحلة الزواج: حتى المشاكل الزوجية تُفسر بالطريقة ذاتها: “الزول دا ساقنو شي” (مسحور)، والسبب جاهز دائماً: “أصلو كان خاطب ليه واحدة قبل كده”.
من الفرد إلى المجموع: واقع الوطن
لا يتوقف الأمر عند الفرد، بل يمتد إلى الوعي الجمعي؛ حيث نرمي فشلنا دائماً على شماعة “ضعف الدولة”.
يمر السودان اليوم بظروف قاسية وعصيبة قلّما شهدها العالم، كأنما اجتمعت كل أمراض الدنيا في جسد هذا الوطن.
ورغم هذا الوهن، لا يزال البعض يمعن في نكء جراحه باللوم والعتاب، دون إدراك أن السودان الآن طريح الفراش، لكنه في طريقه إلى الشفاء.
إن التعامل مع الوطن اليوم يشبه تماماً التعامل مع الوالد العليل؛ فلا يصح أن تقف عاجزاً تنتظر منه أن ينهض ليوفر لك المأكل والملبس والأساسيات، بل الواجب عليك الآن أن تسنده حتى يتعافى ويسترد عافيته



