مقالات الظهيرة

(أصل القضية) من سلسلة الجسر والمورد…السودان.. مواقع التواصل الاجتماعي كشفت الكل!

د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات.

 

> لم تبدأ الحكاية في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م. يومها فقط، دخلت ظاهرة قديمة طورًا جديدًا من الانكشاف.

 

منذ اتساع انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي بعد عام ٢٠١٠م، لم يعد الإنسان مجرد متلقٍ لما تبثه وسائل الإعلام؛ أصبح قادرًا على أن يصنع محتواه، ويوثّق ما يراه، ويقدم روايته، ويصل بها إلى جمهور يتجاوز حدود المكان. ثم جاءت تحولات عام ٢٠١١م في عدد من البلدان العربية لتكشف ما يمكن أن تفعله هذه المنصات حين تلتقي الرغبة في التغيير بسرعة تداول المعلومات، قبل أن تتباين نتائج تلك التحولات ومساراتها من بلد إلى آخر.

وفي السودان، لم تكن ثورة ديسمبر ٢٠١٨م مجرد حدث سياسي؛ كانت أيضًا لحظة اتسع فيها دور الصورة والفيديو والبث المباشر في توثيق الاحتجاجات، وتجاوز الحواجز الإعلامية، وربط السودانيين داخل البلاد وخارجها. يومها، ساهمت المنصات في نقل صوت الشارع، وصناعة التضامن، وتشكيل جانب من الوعي العام.

لكن ما حدث بعد ١٥ أبريل ٢٠٢٣م نقل هذه العلاقة إلى مستوى مختلف؛ فقد أصبحت المنصات جزءًا من بيئة الحرب نفسها ساحة للتوثيق، والتعبئة، والدعاية، وتبادل المعلومات، والتنافس على تفسير الأحداث وتحديد المسؤوليات.

 

> وهنا وقع التحول الأهم.. من التنافس على إيصال الصوت، إلى التنافس على امتلاك انتباه الآخرين.

 

وليس معنى ذلك أن كل من ينشر يسعى إلى الشهرة، أو أن كل محتوى يخدم غرضًا سياسيًا؛ فبين من يوثّق انتهاكًا لحفظ الحق، ومن ينقل معلومة لإنقاذ إنسان، ومن يحاول التأثير في الرأي العام، ومن يبحث عن الظهور، ومن يعيد نشر رواية لم يتحقق منها، مسافات واسعة لا يجوز طمسها. لكن اجتماع هذه الدوافع المتباينة داخل مساحة واحدة جعل التمييز بينها أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

 

*من شاهدٍ على الحدث إلى جزءٍ من صناعة صورته*

في بعض المشاهد، بدا أن السباق على النشر يسبق أحيانًا محاولة الفهم؛ وأن الرغبة في أن يكون المرء أول من ينقل الحدث قد تتقدم على التحقق من تفاصيله، وأن إثبات الحضور أمام الجمهور قد يطغى على تقدير مسؤولية ما يُنشر.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى مفارقة جوهرية، فالتواصل الاجتماعي لا يكشف الإنسان كما هو فحسب، بل قد يسهم أيضًا في تشكيل الطريقة التي يريد أن يظهر بها.

 

حين يصبح عدد المشاهدات والتفاعلات مؤشرًا مرئيًا على الحضور والتأثير، قد يبدأ بعض المستخدمين في اختيار ما ينشرونه، وكيف يصوغونه، ومتى يعلنون مواقفهم، وفق ما يتوقعون أنه سيجذب الانتباه. ومع تكرار هذه العملية، لا يعود المحتوى مجرد انعكاس للواقع؛ بل يصبح جزءًا من السلوك الذي ينتج الواقع الإعلامي والاجتماعي المحيط به.

ومع ذلك، لا تصنع المنصات سلوك الناس بصورة آلية، ولا تفسر الخوارزميات وحدها دوافعهم؛ فالمصالح والمخاوف والقناعات والبيئة السياسية والاجتماعية تظل عناصر أساسية. غير أن المنصات تمنح بعض السلوكيات فرصًا أكبر للظهور والانتشار، وقد تجعل ما يحظى بالانتباه يبدو أهم مما هو عليه في الواقع.

والفارق كبير بين أن يكون الإنسان في خدمة الحقيقة، وأن تصبح الحقيقة في خدمته.

 

*ماذا كشف التواصل الاجتماعي فعلًا؟*

كشف التناقضات بين الأقوال والأفعال، وبين الشعارات والممارسات، وبين ما يعلنه البعض في لحظات الهدوء وما يكشفونه في لحظات الاستقطاب. لكنه كشف أيضًا وجوهًا مشرقة من الشجاعة والتضامن والتكافل، وأناسًا استخدموا المنصات لإغاثة المحتاجين، ونقل المعلومات، وحفظ الشهادات التي قد تحتاج إليها العدالة يومًا ما.

 

ومع ذلك، فإن ما يظهر على الشاشات ليس صورة المجتمع كاملة. فالأكثر نشاطًا ليس بالضرورة الأكثر تمثيلًا، والأكثر انتشارًا ليس بالضرورة الأصدق، وما يتصدر النقاش العام لا يعكس بالضرورة أولويات المواطنين جميعًا.

وهذه نقطة استراتيجية بالغة الأهمية؛ لأن من يؤثر في انتباه المجتمع قد يؤثر في ترتيب أولوياته، حتى إن لم يستطع التحكم في أحكامه النهائية.

حين تنشغل المساحة العامة بمقطع مثير، قد تتراجع قضية أكثر أهمية. وحين تُختزل مأساة إنسانية في مادة قابلة للتداول، قد يصبح التفاعل مع المأساة بديلًا عن محاولة فهمها. وحين تتحول الرواية الأكثر انتشارًا إلى مرجع للحكم، قد تسبق سرعة التداول دقة التحقق، ويصبح تصحيح الخطأ أصعب من نشره.

 

في هذه البيئة، لا تقتصر المنافسة على نقل الوقائع؛ إنها تمتد إلى تحديد الوقائع التي تستحق أن تُرى، والقضايا التي تستحق أن تُناقش، والأصوات التي يُسمح لها بأن تتقدم إلى واجهة المشهد.

 

*من يملك الانتباه؟*

في رؤية الجسر والمورد، لا تقتصر الموارد الاستراتيجية على الأرض والثروات والموقع الجغرافي؛ فالمعرفة والمعلومات والقدرة على توجيه الانتباه موارد تؤثر في موازين القوة أيضًا.

والانتباه مورد محدود ،لا يستطيع المجتمع أن يمنح كل قضية القدر نفسه من التركيز، ولا أن يفحص كل رواية بالعمق ذاته. لذلك، فإن استنزاف انتباهه في معارك جانبية، أو إغراقه بالمعلومات المتضاربة، أو دفعه إلى التفاعل قبل التفكير، قد يضعف قدرته على التمييز وترتيب الأولويات.

وهنا تتجاوز القضية سلوك الأفراد إلى مستقبل السودان؛ فبلد يسعى إلى تجاوز الحرب واستعادة الدولة وبناء الثقة الاجتماعية يحتاج إلى فضاء عام يساعده على فهم ما حدث، ومناقشة ما ينبغي فعله، وحماية حق الضحايا، ومقاومة التضليل، بدل أن يتحول إلى ساحة تتنافس فيها الروايات على الانتشار أكثر مما تتنافس على الصدق.

لسنا بحاجة إلى إسكات الناس، ولا إلى التقليل من قيمة التوثيق والنشر؛ بل إلى ترسيخ ثقافة تميز بين الشهادة والدعاية، وبين المعلومة والانطباع، وبين حق التعبير ومسؤولية الكلمة. فحرية النشر لا تكتمل بمجرد القدرة على الكلام؛ تكتمل أيضًا بالوعي بأثر ما نقول، وبحق الآخرين في ألا تتحول مآسيهم إلى مادة للاستهلاك أو وسيلة لصناعة النفوذ.

لقد كشف التواصل الاجتماعي الناس، لكنه كشف أيضًا كيف يمكن للناس أن يتغيروا تحت ضغط الظهور، وكيف يمكن للانتباه أن يتحول من وسيلة للتواصل إلى مورد تتنافس القوى والأفراد على امتلاكه.

 

والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس فقط ماذا يحدث في السودان؟ ولا حتى ماذا يقول السودانيون عما يحدث؟ بل سؤال أعمق..

> هل نستخدم منصات التواصل لفهم واقعنا وتغيير ما يستحق التغيير، أم نسمح لها بأن تعيد تشكيل وعينا حتى يصبح ما يستحق الانتباه هو ما يحقق الانتشار، لا ما يستحقه الوطن؟

 

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الروايات المتنافسة بقدر حاجته إلى وعي يميز بينها، ولا إلى أصوات أعلى بالضرورة، بل إلى أصوات أكثر مسؤولية.

فحين ينتهي السباق على الظهور، تبدأ معركة الوعي. وحين نستعيد قدرتنا على اختيار ما يستحق انتباهنا، نستعيد جزءًا من قدرتنا على اختيار مستقبلنا.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى