(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب… اقفل دفتر الجرورة اليوم.. ينفتح لك باب الرزق والراحة غداً

كنت أجلس مع أحد الأصدقاء نتجاذب أطراف الحديث، وفجأة رن هاتفه. نظر إلى الشاشة ولم يرد. رن مرة ثانية وثالثة ولم يرد أيضاً. سألته بفضول، فابتسم ابتسامته العريضة المعهودة وقال لي بهدوء: “ده صاحب الدكان.. بتاع الجرورة”.
تلك الابتسامة كانت تخفي خلفها الكثير من الحرج وكسرة النفس. وانتهت جلستنا هناك، لكن بدأت في ذهني حكاية كبيرة اسمها *دفتر الدكان.. القيد الناعم الذي يكسر ظهر الرجال.*
ليست الجرورة كرماً من صاحب الدكان، وليست شهامة منه، هي قيد ناعم يلفه لك في كيس بلاستيك مع ابتسامة، تظنه ستراً وهو في الحقيقة كشف لحالك.
كل الحكاية تبدأ بكلمة خجولة تقولها: “أكتبها لي”. تظن أن الأمر انتهى عندها، لكنها في الحقيقة هي البداية. أنت تأكل اليوم رزق شهر كامل لم يأت بعد. تذهب للدكان ويدك فارغة وتعود تحمل الأكياس، تظن أنك انتصرت على الظروف، وأنت في الحقيقة أدخلت الفقر بقدميك إلى بيتك.
يأتي الراتب آخر الشهر، ذلك الراتب الذي انتظرته زوجتك وأطفالك بفارغ الصبر ليفرحوا به، فلا يدخل البيت، بل يدخل مقبرة الديون. سبعون في المائة منه يذهب قبل أن يصل إلى المطبخ، يذهب لصاحب الدكان. فتكتشف أنك طوال الشهر كنت تعمل له هو، لا لأولادك.
بيت الجرورة بيت منزوع البركة. لأنك تشتري وأنت لا تحسب. تشتهي فتأخذ، وتريد فتشيل، لا تسأل نفسك هل معي ثمنه؟ بل تقول “أكتبو”. وما تشتريه نقداً بثمن، تدفعه في الجرورة ثمناً وذلاً معه. تدفع ثمن السلعة، وتدفع فوقها ثمن انتظار صاحب الدكان لك في ناصية الشارع.
والوجع الأكبر ليس في القروش، بل في كسرة النفس. لا يوجد وجع أكبر من أن ترى صاحب الدكان فتغير شارعك، أو تسمع صوته فتتوارى. أن يأتي إلى بيتك ويطالبك أمام زوجتك وأولادك فيسقط قدرك في أعينهم. الجرورة تأكل الهيبة قبل أن تأكل المال، وتعلم أولادك أن الحياة كلها “شيل وأكتب”، دين فوق دين.
قالتها حبوباتنا زمان والحكمة لا تموت: “الدين إن ما كان لحوجة شديدة بقطع الرزق”. ونحن جعلنا الجرورة لكل شيء، شاي الصباح جرورة، ورصيد الموبايل جرورة، وملح الملاح جرورة، حتى نسينا طعم القروش الحاضرة ونسينا طعم الراحة.
الحل ليس مستحيلاً، الحل قرار شجاع تأخذه الآن.
أغلق دفتر الجرورة. عش على قدر قروشك، فالقليل الموجود في يدك أبرك من الكثير المكتوب في دفتر غيرك. اشتر ما تملك ثمنه فقط، ولو نمت خفيفاً خير من أن تنام مثقلاً بالدين. اجلس مع نفسك مرة واحدة، أحضر ورقة وقلماً واكتب كل ديون الدكان، سترى رقماً سيفزعك وسيوقظك.
واذهب غداً لصاحب الدكان وقلها له رجلاً لرجل: “من اليوم لا تكتب لي، إن لم أملك ثمنها فلا تعطني إياها”. ستحترم نفسك وسيحترمك هو، وينفتح لك باب الرزق والراحة.



