د. عبد الرؤوف قرناص يكتب…. البنك المركزي ودعم مطاحن الدقيق.. إلى متى ندور في الحلقة المفرغة؟

أقدم البنك المركزي على تقديم دعم لمطاحن الدقيق، فحصلت مطاحن سيقا على نحو 105 ملايين دولار، وروتانا على 41 مليون دولار، بينما نالت مطاحن سين نحو 11 مليون دولار، ليصل مجموع الدعم إلى حوالي 157 مليون دولار، بهدف المساعدة في وصول جوال الدقيق إلى سعر يتراوح حول 78 ألف جنيه سوداني.
قد يكون هذا الدعم مفهوماً في ظل الظروف الاقتصادية والحرب وارتفاع تكاليف الاستيراد، لكنني ذهبت بالخيال بعيداً قليلاً، وسألت نفسي:
ماذا لو فكرنا في الـ157 مليون دولار باعتبارها أداة للإنتاج، وليس فقط أداة لتمويل الاستيراد؟
حاجة السودان من القمح تقدر بحوالي مليوني طن سنوياً، ولا داعي للدخول طويلاً في جدل الإمكانيات الزراعية التي يمتلكها السودان لإنتاج هذه الكمية، فالمساحات والمياه والخبرة الزراعية موجودة، وما ينقصنا في كثير من الأحيان هو القرار والتنظيم والتمويل والمتابعة.
المشكلة أننا ندور منذ سنوات في الحلقة نفسها:
دولارات للاستيراد.. دعم.. ارتفاع في التكلفة.. ضغط على سعر الصرف.. ثم دعم جديد للاستيراد.
ومع كل أزمة عالمية جديدة ترتفع المخاطر أكثر؛ من أسعار الشحن والتأمين إلى اضطراب طرق التجارة والصراعات الدولية، وما يجري في المنطقة والعالم يؤكد أن الاعتماد المستمر على الخارج في سلعة استراتيجية مثل القمح ليس مجرد مسألة مالية، وإنما مسألة أمن غذائي واقتصادي.
وهنا السؤال الذي يستحق أن يطرح على الحكومة وعلى أصحاب المطاحن:
هل جلس أحد مع هذه الشركات وقال لها: بدلاً من أن نمول استيراد القمح كل عام، لماذا لا نساعدكم في زراعته داخل السودان؟
لدينا مشروع الجزيرة وامتداد المناقل، ولدينا تجربة الزراعة التعاقدية التي يمكن أن تجعل المطحن شريكاً في الإنتاج وليس مجرد مستورد للحبوب.
ولدينا مشروع “زادنا” في نهر النيل، ومشروع الراجحي في الشمالية، ومشروعات زراعية أخرى يمكن أن تدخل في منظومة متكاملة لإنتاج القمح.
لماذا لا يكون الدعم مشروطاً، جزئياً على الأقل، بزيادة الإنتاج المحلي؟
لماذا لا تقول الدولة للمطاحن: سنوفر لكم التمويل أو النقد الأجنبي، ولكن في المقابل نريد برنامجاً واضحاً لزراعة مساحات محددة من القمح، بعقود شراء مسبقة مع المزارعين، وبمؤشرات أداء سنوية؟
هنا يتحول الدعم من فاتورة استهلاك إلى استثمار في الإنتاج.
فلو أن جزءاً من الأموال التي تذهب سنوياً لتمويل استيراد القمح وُجّه إلى التوسع الزراعي، والري، والمدخلات، والحصاد والتخزين والنقل، فقد نبدأ في تقليل فاتورة الاستيراد عاماً بعد عام، بدلاً من أن نبقى أسرى لسعر الدولار وأسعار الشحن والتأمين والأسواق العالمية.
نحن لا نحتاج إلى إلغاء دعم المواطن، ولا إلى ترك المطاحن تواجه وحدها ارتفاع التكلفة. لكننا نحتاج إلى تغيير فلسفة الدعم نفسها.
دعم الدقيق يجب ألا يكون نهاية القصة، بل بداية طريق للاكتفاء الذاتي.
السؤال الحقيقي ليس: كم دولاراً سنوفر للمطاحن هذا العام؟
السؤال هو:
كم طن قمح سننتج داخل السودان مقابل كل دولار من أموال الدولة؟
وكم فداناً دخل دائرة الإنتاج؟
وكم مزارعاً دخل في الزراعة التعاقدية؟
وكم انخفضت فاتورة الاستيراد في العام التالي؟
هذه هي مؤشرات الأداء التي يجب أن نحاسب بها أي برنامج دعم.
أما أن نستمر في استيراد القمح، ثم ندعم الدولار، ثم ندعم الدقيق، ثم نعود في العام التالي إلى الحلقة نفسها، فذلك يعني أننا نعالج أعراض المشكلة ونترك أصلها.
إلى متى ندور في هذه الحلقة المفرغة؟
دعم.. استيراد.. ثم دعم.. ثم استيراد.
السودان يحتاج إلى أن يدفع أمواله لكي ينتج، لا لكي يستورد إلى ما لا نهاية.
الله المستعان.



