مقالات الظهيرة

(قعقعة الحروف)د. عمر الفاروق حسن صالح قيلي يكتب… الحسد الوظيفي حين يقتل الكفاءة

الحلقة الأولى

إنَّ الحسد في جوهره الشرعي ليس مجرد شعور عابر بالضيق من نِعَم الآخرين، بل هو اعتراض خفيّ على قسمة الله وعدله. وقد حذَّرنا القرآن الكريم من شرِّه بوضوح، فقال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.

وجاء البيان النبوي ليحذِّر من هذه الآفة ويكشف خطرها، فقال النبي صل الله عليه وسلم: (إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ)

وفي تراث الصحابة والتابعين، ورد التحذير من ضغائن النفوس وما يمكن أن تجرّه على الإنسان والمجتمع من أذى. ويُنسب إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: (ما وجد أحدٌ في نفسه كِبْرًا إلا من ذِلَّةٍ يجدها في نفسه). وقال الإمام الحسن البصري رحمه الله: (ما رأيتُ ظالمًا أشبهَ بمظلومٍ من حاسد: نَفَسٌ دائم، وغَمٌّ لازم، وحسرةٌ لا تنقضي)

وعندما يُستنسخ هذا الداء الأخلاقي في أروقة الخدمة المدنية، ويتحوّل إلى سلوك هادم، في ظل غياب مؤشرات القياس الموضوعية، يصبح التقييم خاضعًا للانطباعات الشخصية، وتتراجع معايير الكفاءة لصالح الأهواء والمواقف الشخصية.

وهنا يتجلّى الحسد الوظيفي في صور متعددة: تجميد المعاملات، وتعطيل المبادرات، والنميمة الإدارية، واغتيال الشخصية الوظيفية، وحجب المعلومات والبيانات الحيوية، خشية أن يقود نجاح الآخرين إلى كشف مواطن القصور أو سحب البساط من تحت أقدام أصحاب النفوذ.

وحين تتحول المؤسسة العامة من حاضنةٍ للتطوير إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات، يصبح الخطر أكبر من مجرد خلاف بين موظفين؛ إذ يبدأ النسيج الإداري نفسه في التآكل، وتُهمَّش الكفاءة، ويُحاصر المبدعون، ويصبح النجاح سببًا للعقوبة بدل أن يكون مدخلًا للتقدير والترقي.

وهنا تبدأ قعقعة الحروف في كشف ما هو أخطر من الحسد نفسه: حين يصبح الموظف الكفء مصدر تهديد، ويصبح إقصاؤه وسيلةً لحماية مواقع لا تستند إلى الكفاءة، وحين تتحول المؤسسة من بيئةٍ تُكافئ الإنجاز إلى بيئةٍ تعاقب عليه.

فهل المشكلة في ضعف الكفاءات؟

أم في منظومةٍ إدارية تخشى بروزها؟

ذلك ما سنحاول الاقتراب منه في الحلقة القادمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى