د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… دعم البرامج وليس الشخصيات!!

تداول الناس فيديو يدعو إلى ترشيح الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، لرئاسة الجمهورية.
والبرهان نفسه رد بأن هذا ليس هو الهم الآن، وأن هناك معركة تدور، وأن الأولوية هي دحر التمرد، وبعد ذلك يأتي الحديث عن الترشيحات.
وحسناً فعل…
فلكل وقت أذانه، ولكل معركة أولوياتها.
ولكن القضية في رأيي أكبر من ترشيح البرهان أو غيره.
لقد آن الأوان أن نعترف بحقيقة طال تأجيلها:
لقد انتهى زمن البطل الخارق، وانتهى معه زمن انتظار الرجل الذي سيأتي ليخلص السودان من كل أزماته بضربة واحدة.
هذه الثقافة هي واحدة من أكبر عللنا السياسية.
كلما اقترب استحقاق سياسي بدأنا نبحث عن الأشخاص، وعن الأسماء، وعن الزعامات، وعن “الرجل المناسب”، وكأن السودان بلد بلا مؤسسات ولا برامج ولا عقول ولا خبراء، ولا ينقصه إلا أن نعثر على شخص خارق يجلس على كرسي الحكم!
السودان لا يحتاج إلى مخلّص… السودان يحتاج إلى مشروع.
ولا يحتاج إلى زعيم يُصفق له الناس، وإنما يحتاج إلى فريق عمل يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه، ومتى يصل إليه، وكيف يحاسب إذا فشل.
نحن في حاجة إلى الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن الكاريزما إلى الكفاءة، ومن الخطابات إلى الخطط، ومن الأمنيات إلى مؤشرات الأداء والنتائج.
ولننظر حولنا.
رؤية السعودية 2030 لم تُبنَ على شخص واحد يعمل وحده، وإنما تحولت إلى مشروع دولة تعمل مؤسساتها المختلفة لتحقيق أهداف محددة، وفق برامج ومؤشرات ونتائج.
وهذا ما نحتاجه في السودان.
نريد رؤية سودانية واضحة لعشر أو عشرين سنة قادمة.
رؤية لا تتغير بتغير الوزير، ولا تسقط بسقوط الحكومة، ولا تموت بخروج المسؤول من مكتبه.
نريد أن نعرف:
أين سيكون اقتصاد السودان بعد عشر سنوات؟
كم مليون فدان ستدخل دائرة الإنتاج؟
كم مصنعاً سيقام؟
كم كيلو متراً من السكة الحديد ستتم إعادة تأهيلها؟
كيف ستُستثمر موارد الذهب والمعادن؟
كيف سيعود مشروع الجزيرة إلى دوره؟
كيف ستتحول الموانئ إلى بوابة اقتصادية حقيقية؟
كيف سنوفر الكهرباء والمياه؟
كيف سنعيد بناء التعليم والصحة؟
وكم فرصة عمل سنخلق لشباب السودان؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشغلنا… لا أسماء المرشحين فقط.
أما مؤتمر الحوار السوداني القادم، فأتمنى ألا يكون نسخة جديدة من مؤتمراتنا القديمة.
لا نريد قاعة ممتلئة بالسياسيين، ومئات الخطب، وساعات طويلة من السجال، واتهامات متبادلة، وعبارات ضخمة لا تجد طريقها إلى الواقع.
لقد شبع السودانيون من الكلام.
أعطونا برامج!
ليصعد كل حزب وكل تيار وكل مجموعة سياسية إلى المنصة ويقول للشعب:
هذا برنامجنا.
هذه أهدافنا.
هذه أولوياتنا.
هذه مصادر التمويل.
هذا جدولنا الزمني.
وهذه هي النتائج التي نلتزم بتحقيقها.
ثم دعوا الشعب يحكم.
فليكن الحوار القادم منافسة في الأفكار لا منافسة في رفع الأصوات.
وليكن التدافع حول مستقبل السودان، لا حول ماضي الأشخاص.
نعم، علينا أن نحاسب أنفسنا على أخطاء الماضي.
لكن لا يجوز أن يتحول استعراض أخطاء الماضي إلى مشروع سياسي دائم.
الماضي للتحقيق والتعلم… والمستقبل للبناء.
والمطلوب ليس أن نبحث عن حزب لم يخطئ، أو زعيم لم يفشل، أو سياسي بلا ماضٍ.
المطلوب أن نبحث عمن يملك رؤية أفضل للمستقبل.
لقد أضاع السودان عقوداً طويلة في الصراع حول السلطة، بينما كانت السلطة نفسها تتآكل، والدولة تتراجع، والاقتصاد ينهار، والبنية التحتية تتعطل، والشباب يبحثون عن مستقبلهم خارج البلاد.
فهل سنكرر الخطأ نفسه؟
هل سنعود مرة أخرى إلى سؤال:
من يحكم السودان؟
قبل أن نسأل:
كيف سيحكم السودان؟
هذا هو الفارق بين دولة تبحث عن الأشخاص، ودولة تبحث عن المشروع.
ولذلك فإنني لا أرى المعركة القادمة معركة ترشيحات.
المعركة الحقيقية هي معركة البرامج.
ومن يملك برنامجاً أفضل فليتقدم.
ومن يملك رؤية أوضح فليعرضها.
ومن يملك فريقاً أكفأ فليثبت ذلك.
ومن يطلب ثقة الشعب فليقدم للشعب شيئاً أكبر من صورته وخطابه وسيرته الذاتية.
السودان ليس ناقصاً أبطالاً… السودان ناقصه مشروع دولة.
والشعب السوداني لا يريد أن يعيش على أمل ظهور “المنقذ”.
يريد دولة يعرف فيها المواطن ماذا سيحدث غداً، وبعد غد، وبعد عشر سنوات.
دولة لا تتوقف على فرد.
دولة لا تنهار بخروج شخص.
دولة تستمر لأن وراءها مؤسسات، وبرامج، وقوانين، وخططاً، ورؤية.
فكفانا صناعة للزعامات… ولنبدأ صناعة الدولة.
فالدولة التي تبنى على شخص تموت برحيله…
أما الدولة التي تبنى على المؤسسات والبرامج، فتبقى حتى بعد رحيل صانعيها.



