(همسة وطنية) د. طارق عشيري يكتب… هل نعرف الاعتذار السياسي؟

لنبدأ بناء دولة قوية لابد من مراجعة سلبيات الماضي وفي السودان نصر دائما علي التمادي في الاخطاء حتي اصبحت سمه في السودان وفي( عالم السياسة)، ليست القوة أن تتمسك بالخطأ، ولا البطولة أن تبرر الفشل، ولا القيادة أن ترفض الاعتراف بالحقيقة. إنما القوة الحقيقية تبدأ عندما يمتلك السياسي شجاعة الوقوف أمام شعبه ليقول بكل وضوح: لقد أخطأت.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في واقعنا السياسي: هل نعرف الاعتذار السياسي؟
لقد اعتدنا في (عالم السياسة على تبادل الاتهامات)، و(البحث عن المبررات)، و(تحميل الآخرين مسؤولية الإخفاقات). وعندما( تقع الأخطاء)، يبدأ الجميع في (الهروب من المسؤولية)، وكأن الاعتراف بالخطأ نهاية للحياة السياسية، بينما (الحقيقة) أن الاعتذار الصادق قد يكون بداية جديدة لاستعادة الثقة وتصحيح المسار.
إن الاعتذار السياسي ليس كلمة عابرة تقال أمام وسائل الإعلام، وليس محاولة مؤقتة لامتصاص غضب الشارع، وإنما هو ثقافة تقوم على الاعتراف بالمسؤولية، وفهم حجم الخطأ، والاستعداد لتحمل نتائجه، ثم العمل بجدية على إصلاح ما أفسده ذلك الخطأ.
السياسي الذي (يعتذر )لا يفقد( مكانته)، بل قد يكتسب (احترام الناس) إذا كان اعتذاره (صادقاً ومصحوباً بالفعل) فالشعوب لا تبحث عن( قادة معصومين) من الخطأ، لأن الإنسان بطبيعته يخطئ، لكنها تبحث عن( قادة يملكون الشجاعة الكافية للاعتراف عندما يخطئون)
وفي السودان، نحن في حاجة ماسة إلى( مراجعة عميقة لتجربتنا السياسية). سنوات طويلة من الصراعات والانقسامات والخصومات جعلت الوطن يدفع ثمناً باهظاً، بينما ظل السؤال عن المسؤولية معلقاً بين الجميع. كل طرف يرى نفسه على صواب، وكل طرف يلقي باللوم على الآخر، أما الوطن فقد ظل هو الخاسر الأكبر.
ربما حان الوقت لأن نسأل أنفسنا بصدق: ألم نخطئ في حق هذا الوطن؟
ألم نخطئ عندما قدمنا المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية؟ ألم نخطئ عندما جعلنا الخلاف السياسي خصومة شخصية؟ ألم نخطئ عندما أضعنا فرص الحوار والتوافق؟ ألم نخطئ عندما تعاملنا مع السلطة باعتبارها غاية، وليس وسيلة لخدمة الشعب؟
إن( الاعتذار السياسي الحقيقي) يبدأ عندما ندرك أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأن الشعب أهم من المواقع، وأن المستقبل لا يمكن أن يبنى( بعقلية الإنكار) والهروب من المسؤولية.
نحن لا نحتاج إلى( اعتذارات شكلية)، بل نحتاج إلى (ثقافة سياسية جديدة) تجعل المراجعة جزءاً من العمل السياسي. نحتاج إلى سياسي يسأل نفسه قبل أن يسأل الآخرين: ماذا قدمت للوطن؟ وأين أخطأت؟ وكيف يمكن أن أصلح ما حدث؟
فالاعتذار دون إصلاح لا قيمة له، والاعتراف دون مراجعة لا يكفي، والكلمات التي لا تتحول إلى أفعال سرعان ما تفقد معناها.
إن السودان وهو يدخل مرحلة جديدة من تاريخه يحتاج إلى شجاعة سياسية من نوع مختلف؛ (شجاعة الاعتراف بالأخطاء)، و(شجاعة الاعتذار للشعب)، و(شجاعة فتح صفحة جديدة) تقوم على( المسؤولية والمحاسبة والمصالحة الوطنية).
ليس عيباً أن نخطئ، فالخطأ جزء من التجربة الإنسانية، لكن العيب الحقيقي أن نعرف أننا أخطأنا ثم نصر على الخطأ، ونبحث له عن المبررات، ونطالب الآخرين بتحمل نتائجه.
الاعتذار السياسي ليس (ضعفاً)، بل (قوة أخلاقية). وليس( تراجعاً)، بل (خطوة) نحو( التقدم). وليس نهاية السياسي، بل قد يكون بداية جديدة له إذا امتلك الصدق والشجاعة.
فهل نصل إلى اليوم الذي يقف فيه (السياسي السوداني) أمام شعبه دون (خوف) أو (تبرير) ويقول: أخطأت في حقكم، وأتحمل مسؤوليتي، وسأعمل على إصلاح ما أفسدته؟
ذلك اليوم ربما يكون بداية( السياسة التي نحتاجها)، وبداية (الطريق نحو وطن يتعلم من أخطائه)، ولا يكررها.
فالأوطان لا تنهض بمن( يدّعون الكمال)، وإنما تنهض بمن يملكون (شجاعة المراجعة والاعتذار والتصحيح) وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل



