مقالات الظهيرة

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… الحوار… والني يرجع للنار!!

نعم، قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وأعلنت الحكومة عن الحوار، وشُكّلت لجنته، وابتدرت عملها، وكل حديث عن ذلك يندرج من باب التعليق على أمر قد قُدّر، وسيفٌ سبق العَذَل.

إلا أنه، ومن باب التسلية بمعنى المواساة وتخفيف وطأة الحزن وتنفيس الغم، يأتي هذا الحديث بصيغة: يا ليت، إنه لم يحدث كذا.

لك أن تتخيل بيتًا يحترق، ودخانه مطبق على الآفاق، وصياح واستغاثات، ثم يأتي من يجمع أهل البيت لإدارة حوار في شأن إدارة البيت وتقسيم الغرف، ووضع لوائح الدخول وشروط الاستضافة! لسان الحال وحده الفصيح ليقول، كما في المثل: نصطاد الدب أولًا، ثم نقتسم جلده.

الحرب لم تضع أوزارها بعد، بل إن تدفقات كبيرة ما تزال تَرِد إلى المليشيا: تجهيزات، ومرتزقة، ومكر من دول الجوار المحيطة كلها، عدا مصر وارتريا الحرة. فيأتي الخطر من كل مكان، وتتناسل مشكلات اقتصادية تفاقم صعوبات الحياة على الناس، ومحاور وتكتلات دبلوماسية تنسج خيوط تكملة المؤامرة في المجالس والمنظمات الدولية، لتعزل السودان في وضح النهار، وبأدوات القانون الدولي، وتحرمه من مستحقاته في امتلاك وسائل الدفاع المشروعة التي تمتلكها كل جيوش العالم لتحمي أوطانها.

هذا الأمر فصل وليس هزلًا، يتم التعامل معه بنظريات التطفيف والتقليل من قيمة الخطر، لدرجة الانصراف إلى تداول قضايا، وإن كانت مهمة، ولكن لم يأتِ أوانها بعد، ولم تنضج الظروف لتأخذ مكانها في يوميات السودان الحالي، الذي يليق به الآن فقط الاستنفار، وقتال الجنجويد بلا هوادة، وتوظيف كل قوى الدولة الشاملة، وما تبقى منها، لحسم هذا الملف تمامًا، ليخلو وجه السودان من خطر التهديد المتزامن: داخليًا وإقليميًا ودوليًا.

إلى درجة رهن ملفاته لمرتَشٍ أمريكي اسمه مسعد بولس، أبت إرادة الله إلا أن تفضحه على رؤوس الكونغرس الأمريكي والإعلام العالمي، بأنه استلم ٣١ مليون دولار رشوة، حتى يتبنى وجهة نظر ممولي المليشيا، كما أعلن ذلك النائب الديمقراطي كريس ميرفي. وعليه، فقد حلت لعنة السودان على هذا السمسار الرخيص.

الحوار الناجح يجب أن يكون مسنودًا ببعد شعبي واسع، وليس شأنًا صفويًا بنخبة معينة، وأن يكون هناك حد أدنى من السلم والأمن الاجتماعي؛ لأن الأجواء الآن مفعمة بالأسى، مشحونة بالغبن، عليها من آثار جرائم الجنجويد وكل من ساندهم، ومليئة بالشك في نوايا كثير من النخب السياسية التي وقفت موقف المتفرج خلال سنوات هذه الحرب، فلم تعلن تأييدها المطلق للجيش، ولم تُدن الجنجويد، ولم تحشد عضويتها وتدفعها لمساندة الجيش، وإنما غادرت قياداتها مبكرًا، والتزمت الصمت، حتى إذا ذهب الخوف، ظهرت الألسنة السليقة الحِداد.

ولذلك، فالتقدير العام، أو الغالب، لدى الشعب السوداني هو أن هؤلاء ليسوا مؤهلين لإدارة الشأن السوداني البتة، وأن أي تدابير تعيدهم إلى المشهد فهي مرفوضة من الشعب، والذي يشكك في ذلك فدونه استطلاع رأي الشارع السوداني.

وأخيرًا، يبقى الحوار قيمة إنسانية ملحّة في حل المشكلات وتداولها، ولكن تعوزه الآن مقومات: المنطق، والضرورة الزمنية، والكيفية، والجدوى منه.

إن خبر دخول الجيش والقوات المشتركة إلى حمرة الوز قبيل ساعات، لهو أكبر عند الشعب السوداني من أنباء لجنة الحوار، التي لم يعوّل أحد عليها خيرًا، بل هي محل شك وريبة.

الحوار الآن للبندقية مع خصوم الحياة، وأعداء الإنسانية، القساة، الغُشْم، الجهلاء، القتلة، الغوغاء، الرجرجة، الذين استحلوا محارم الله وعباده.

وبعد أن يمكّننا الله منهم، ولعل هذا قريب بعون الله، ثم بجهاد المجاهدين في الجيش وقوات إسناده، وتتطهر الأرض من أرجاسهم، ويُقتص لكل ذي مظلمة منهم، ويُثأر لمن اغتيل غدرًا، بعدها يمكن للشعب السوداني أن يقرر مصيره، وليس مجرد نخب مقيمة في الخارج، لم يطأ واحد منهم موطئًا يغيظ العدو، ولم يُغبر قدميه بتراب الوطن؛ فكيف لمثل هؤلاء أن يدبّروا أمر السودان؟!

عجائب والله!

دا شغل ني،، والني برجع للنار .

الله غالب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى