مقالات الظهيرة

علاء الدين محمد أبكر يكتب…. حين يجتمع الفول والعيش على صينية المحبة!!

تمهيد: ما البوش؟

“البوش” ليس مجرد طعام، بل هو طقس سوداني كامل. هو صحن الفول الحار وقد تربع فوقه “العيش” المقطع، ثم غُمِر بالزيت والشمار والشطة والدكوة والبصل والجبنة. لقمة من البوش لا تملأ البطن فقط، بل تملأ الروح بحنين لا يُوصف. هو فطور الفقراء والأغنياء، وغداء الطلاب والعمال، وعشاء السهارى. هو الديمقراطية في أبهى صورها: يجتمع حوله الوزير والخفير، ولا يعرف طبقية.

 

أولاً: نسب البوش… من أين جاء هذا السلطان؟

1. الفول:

٢. دخل السودان مع الهجرات القديمة، لكنه توطن في طين الشمالية ونيلها. “فول السليم” و”فول دنقلا” صارا ماركة مسجلة في الذاكرة. كان يُدمس في “القِدرة” الفخار طول الليل على نار هادئة، حتى يذوب في بعضه ويصير كالزبدة.

2. العيش: والمقصود به “الرغيف البلدي” المدور، أو “القراصة” في بعض الأرياف. كان يُخبز في “الطاقة” أو “الصاج”، وله قرمشة لا يعرفها التوست.

3. اللقاء التاريخي:

لا أحد يعرف متى التقى الفول بالعيش لأول مرة. لكن المؤكد أن “الحاجة أم الاختراع”. عامل الترحيل الجائع، وطالب الداخلية المفلس، والموظف الذي تأخر راتبه، كلهم اكتشفوا أن كسرة عيش ناشفة مع قليل من الفول تكفي لتستمر الحياة بكرامة. ومن هنا وُلد “البوش” بوصفه ابن الضرورة وأبو البركة.

 

ثانياً: طقوس البوش… أوركسترا في صحن

أكل البوش لا يكون فرادى، بل “جماعة”. والصينية المستديرة هي البرلمان.

1. التحضير: يبدأ بتقطيع العيش “رفيع رفيع” حتى يتشرب التتبيلة. ثم يُكب الفول من القِدرة وهو يغلي و”يفور”. بعدها تبدأ السمفونية: رشة زيت سمسم “أصلي”، عصرة ليمون، شمار أخضر، شطة حمراء، دكوة محلولة، بصل أبيض مقطع، وقطعة جبنة بيضاء تتفتت كالثلج. وفي بعض البيوت يضيفون “الساردين” أو “الطعمية” فيصير “بوش ملوكي”.

2. الأكل:

٣. لا ملاعق هنا. الأكل باليد، خمسة أصابع متوضئة. تبدأ المعركة هادئة، ثم تحتدم. الكل يغرف من النص، والعين على لقمة الجار. والضحك شرط، والونسة ملح الأكل. يقول المثل: “البوش ما بنأكل براك، كان أكلتو براك بتنفش”.

3. الشاي:

. لا يكتمل الطقس إلا بكباية شاي منعنع “تقيل” بعد البوش. فالشاي يغسل الدهن، والونسة تغسل الهم.

 

ثالثاً: البوش في الأدب والوجدان السوداني

1. في الشعر الشعبي: تغنى به المغنون دون تصريح. فحين يقولون: “الريد بيناتنا عامر.. زي صحن البوش في السماء السابع”، فهذا أبلغ غزل.

2. في الأمثال: “البوش سيد الأتيكيت مافي”، “أديني بوش وخت القصر فوقو”، “البطن ما فيها عضم، لكن البوش فيها سكن”.

3. في الغربة: البوش هو “جواز السفر العاطفي”. المغترب السوداني في الرياض أو لندن أول ما يبحث عنه هو “مطعم بوش”. ولقمة البوش في البرد الغربي قادرة على استدعاء شمس الخرطوم كلها. هو نوستالجيا صالحة للأكل.

4. في المجتمع: كان “البوش” شاهداً على كل الاحداث وفي بيوت العزاء هو الذي “بمسك بطن” المعزين. هو وجبة الفرح ووجبة الحزن، لا يتبدل.

 

رابعاً: لماذا أحبه السودانيون؟

1. رخيص وعزيز:

٢. كان زمان بملاليم قليلة تشبع أسرة. وفي زمن الغلاء، البوش هو “خطة الطوارئ الوطنية”.

2. سريع ودمه خفيف: خمس دقائق ويكون جاهز. لا يحتاج “حلة بريستو” ولا “فرن”.

3. ديمقراطي: لا يعرف مقامات. تجد الدكتور والأستاذ والسمكرجي متحلقين حول صحن واحد، يتساوون في الغرف وفي الحب.

4. حمال أوجه: تقبله معدة الطفل والعجوز، والمريض والمسافر. تزيده شطة فيبرد الجو، أو تنقصها فيدفيك في الشتاء.

 

خامساً: البوش مهدد… أم باقٍ؟:

دخلت “البرقر” و”البيتزا” و”الشاورما”، وظن البعض أن البوش سينقرض. لكنه عاد أقوى. صار له “كافتريات” متخصصة، وصار يُقدم في “صواني استيل” بدل “الطلس”. وصار المغتربون يرسلون “خلطة البوش الجاهزة” بالبريد. السر؟ أن البوش ليس أكلاً، بل هوية.

كما قال أحد الظرفاء: “يمكن تطلع السوداني من البوش، لكن ما بتطلع البوش من السوداني”.

 

خاتمة: فلسفة: الصحن الواحد

البوش يعلمنا أن العظمة في البساطة، وأن البركة في اللمة، وأن أطيب الطعام ما اجتمعت عليه الأيدي. هو درس في الاقتصاد، ودرس في الاجتماع، ودرس في الوطنية.

فإذا ضاقت بك الدنيا، فتذكر أن صحن بوش، ولمّة صحاب، وكباية شاي، قادرة على ترميم خراب الروح.

 

وأختم بما قاله عمنا الطيب صالح ضمناً: نحن لم نكن أغنياء، لكننا كنا نعرف كيف نغتني بالرضا…

 

*علاء الدين محمد أبكر*

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى