مقالات الظهيرة

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… القيادة العامة… ذكرٌ وشكر!! 

الاحتفال الذي أقامته القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية لوداع هيئة القيادة السابقة، يتجاوز التقليدية الرتيبة التي تمضي عليها مثل هذه المناسبات، بذات النبض الاحتفائي، والأنفاس المغموسة في الشعور والامتنان، وسرد المآثر في ترانيم الوداع، والتماس العذر والعتب على اللوائح والسنن في التبديل والتعاقب في دوران الوظيفة والحياة.

غير أن الأمر مختلف هذه المرة اختلافًا فارقًا في أطره المكانية والزمانية والموضوعية، وينسحب ذلك على شخوص المحتفى بهم، وما وراء كل واحد منهم من قصص وحكايا.

فالمكان هو القيادة العامة، وزارة الدفاع، التي تتوسط الأبراج المنضودة كالدرع في وجه التهديد، حيث قدّر لها الفريق أول مهندس عبد الرحيم محمد حسين أن يصوغها بعناية وصبر، لتصبح ملاذًا للسيادة حين استُهدف السودان في ذلك الاجتياح المتوحش، بغرض فرض السيطرة وكسر إرادة الوطن ممثلة في جيشه.

ووجه القيادة وجدرانها ما تزال تحمل آثار القصف، ووسوم الجراح، وأشلاء الحرائق، وتضم مقابر الشهداء، وتشهد على سنوات الصبر والمصابرة والمرابطة والجهاد، وتشهد على الحصار والجوع والقرح، والليالي المظلمة، ووحشة الأيام المترعة بالهم الوطني، والتحدي المعلن ما بين أصالة الجيش الوطني، وعمالة المليشيا المستميتة في تحقيق المستحيل. ووجه القيادة ما يزال عابسًا يترقب الأحداث، منطويًا على عهدٍ والتزامٍ بمعاقبة المليشيا بما تستحق.

أما الزمان، فما تزال رحى الحرب تدور وتطحن، يغذيها أعداء السودان وعملاؤهم، وإن تأخرت المليشيا إلى ملاذات الحواضن، تناوش من بعيد.

أما الرجال الأبطال المحتفى بهم، فهم نخبة من القادة، رمت بهم الأقدار في وجه التحدي الوجودي، ووقعت على عواتقهم سلامة وطن بأكمله، وشعب بمجمله، وتاريخ زاخر ثري لجيش الوطن، ليس فيه سطرٌ مخزٍ، وإنما كله فخر وعز وصبر وتضحية وصمود.

فالفريق محمد عثمان الحسين، والفريق خالد عابدين الشامي، والفريق مجدي إبراهيم، وبقية من بمعيتهم من الضباط وقادة الأسلحة، أدركوا حقيقة ما هم عليه من مواجهة لها ما بعدها: سلامة الوطن أو ضياعه إلى الأبد. وسيتحملون وزر ذلك، وسيرتبط بأسمائهم شخصيًا، وبجيلهم من القيادات العاملة، وسيكون عارًا، وأي عار، إن هم أخفقوا.

هؤلاء القادة الذين استفزهم التحدي، فأخرجوا من الحكمة والشجاعة والصبر والإقدام ما لم يكن لأحد على بال، فاستطاعوا أن يصدوا كل هجمات المليشيا على كثافتها وتتابعها، وأثناء ذلك يسيطرون على كل ميدان المعركة، وهو بسعة وطن كامل، وذلك بتوظيف القدرات، والمناورة بالنيران، والعمليات الخاصة. استطاعوا أن يستنزفوا قدرات العدو خلال أكثر من عام ونيف، ثم لاحقوا المليشيا في حيز انتشارها السرطاني في ولايات السودان، واستنفروا الشعب، فكانت المقاومة الشعبية على الموعد، وشباب البراؤون وإخوانهم سندوا ظهر جيشهم، وقدموا أرتال الشهداء.

هؤلاء القادة الذين ترجلوا ليفسحوا مجالًا لجيلٍ متوثب جديد، في سنن العمل العسكري وتعاقب المسؤولية.

لا تسع وصفهم كلمات، ولا يحتوي أثرهم تكريم، لأنهم سموا بالعمل العسكري سموًا يليق بعظمة الجيش السوداني، وحموا الشعب من قهر الجنجويد، وأنقذوا الوطن من ظلام الفوضى، وأفلتوا الاستقلال السوداني من أيدي المستعمرين الجدد، وأعطوا وطنهم عطاءً نوعيًا غير مسبوق.

وتتمة الحفل وزينته، هو التزام القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول برهان، إذ جدد عهده ووعده بألا تفاوض مع المليشيا مهما كلف الأمر، ولا مجال لداعميها من العودة إلى المشهد السياسي للحكم في السودان، وذلك وفاءً لدماء الشهداء من أهل السودان كافة، الذين اغتالتهم المليشيا، وما تزال تزعزع أمنهم بالمسيرات. ولا يمكن أن ينسى شعب السودان جرائم المليشيا، ولا يمكن أن يتصالح معها، ويلزمه سحقها حتى آخر جنجويدي، أو يستسلموا لإرادة القانون.

وستبقى قائمة أسماء القيادات، بمختلف مستوياتها، في معركة الكرامة، شرف أبد الدهر بحول الله، لا يدانيه شرف، لأنهم افتدوا وطنهم ببطولة نادرة في سفر الأزمنة.

حياكم الله من جنرالات،

وتقبل منكم جهادكم.

والمسيرة ماضية لغاياتها، تردد شعارها الأثير: بل بس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى