(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… جبل أولياء تتلو.. 180 حنجرة ترفع راية القرآن

في زمن ضجت فيه المحلية بأصوات المدافع والنزوح، اختارت جبل أولياء أن ترفع صوتاً آخر، صوتاً يعلو فوق كل الأصوات، إنه صوت القرآن الكريم. ففي مشهد مهيب يثلج الصدر ويبكي العين فرحاً، تواصلت فعاليات مهرجان القرآن الكريم في دورته الخامسة والأربعين بمحلية جبل أولياء، ليقول للعالم أجمع: إن هذا الجبل لا ينكسر، لأن جذوره ضاربة في كتاب الله.
إنها ليست مجرد مسابقة، إنها معركة وعي، ومعركة هوية، ومعركة بقاء. فحين يجتمع 180 متسابقاً ومتسابقة، منهم 105 من البنين و75 من البنات، في مكان واحد يتلون كتاب الله غضاً طرياً كما أنزل، فاعلم أن الخير لا يزال باقياً في هذه الأمة، وأن النور لا يزال يشع من عنابر الخلاوي ومراكز التحفيظ.
أي مشهد أعظم من هذا؟ خمسة خلاوي عامرة، وستة مراكز لتحفيظ القرآن للنساء، وثلاث مدارس للبنين والبنات، ومشاركات خارجية، كلها جاءت تزحف نحو كتاب الله، برعاية كريمة من والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، وإشراف مباشر من المدير التنفيذي لمحلية جبل أولياء الأستاذ الناجي بانقا، ومتابعة حثيثة من الإدارة العامة للشؤون الدينية ممثلة في الشيخ هجو جبارة. رجال عرفوا أن الرعاية الحقيقية ليست للمهرجانات الغنائية، بل لمهرجانات القرآن.
لقد قال الله تعالى مادحاً أهل القرآن: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ [فاطر: 29]. وأي تجارة أربح من هذه؟ 180 تاجراً مع الله، يرجون تجارة لا تخسر أبداً، في وقت خسر فيه كثيرون تجارتهم مع الدنيا.
وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [فاطر: 32]. فهؤلاء الـ 180 هم صفوة الله، اصطفاهم من بين آلاف الشباب ليرثوا كتابه، ليكونوا حفظة له في الصدور بعد أن كاد أن يهجر في القصور.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” رواه البخاري. فهؤلاء هم خيرنا، ليس خيرنا من يملك المال، ولا من يملك السلاح، بل خيرنا من يحمل آية في صدره. وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين” رواه مسلم. فجبل أولياء اليوم ترتفع بهذا الكتاب، ترتفع بهؤلاء الأطفال والنساء والشباب الذين جلسوا للامتحان في سبعة فروع من الحفظ والتجويد.
ولكم أن تتخيلوا المشهد.. شاب صغير ، يرتجف من هيبة اللجنة، ثم يفتح الله عليه فيقرأ: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]. وفتاة محجبة عفيفة، جاءت من مركز من مراكز النساء الستة، تتلو بصوت خاشع: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]. فتبكي اللجنة قبل أن يبكي الحضور.
لقد أسفرت النتائج عن فوز 40 متسابقاً ومتسابقة في أربعة فروع من أصل سبعة، بواقع 20 فائزاً من البنين و20 فائزة من البنات. وهذا التساوي بين البنين والبنات رسالة عظيمة: أن المرأة في جبل أولياء ليست مهمشة، بل هي حافظة، ومجودة، ومنافسة، وشريكة في بناء المجتمع القرآني.
إن هذا المهرجان في دورته الـ 45 هو رسالة تحدٍ وصمود. 45 عاماً والقرآن يتلى في جبل أولياء لم ينقطع، مرت حكومات وسقطت حكومات، وجاءت حروب وذهبت حروب، وبقي القرآن هو الثابت الوحيد. أليس هذا هو الفوز المبين؟ أليس هذا هو قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]؟ فالله يحفظ كتابه بهؤلاء الصبية، بهؤلاء الخلاوي، بهؤلاء المشايخ.
يا أهل جبل أولياء.. افرحوا، فأنتم اليوم على موعد مع البركة. فالبلد الذي يقرأ فيه القرآن لا يجوع، والبيت الذي يتلى فيه القرآن لا يشقى، والمحلية التي تكرم 180 حافظاً لن تهزم أبداً.
تحية إجلال للشيخ هجو جبارة وكل مشايخ الخلاوي، تحية لكل أم أيقظت ابنها لصلاة الفجر ليحفظ، ولكل أب أنفق من قوته ليشتري مصحفاً، وتحية لوالي الخرطوم ومديرنا التنفيذي الذين عرفوا أين يضعون رعايتهم.
هنيئاً لـ 40 فائزاً وفائزة، وحظاً أوفر لمن لم يحالفهم الحظ، فأنتم جميعاً فائزون عند الله، يكفيكم شرفاً أنكم قلتم: يا رب، نحن نحاول حفظ كلامك.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، واجعل جبل أولياء عامرة بكتابك إلى يوم الدين.



