د. إسماعيل الحكيم يكتب… الجامعة محراب المعرفة وميلاد الهوية!!

حين يقف الشاب على تفتق عتبات المرحلة الجامعية، فإنه لا يخطو خطوته الأولى والعابرة بين صفوف الدراسة فقط ، ولكنه يعبر جسراً تاريخياً يفصل بين تلقي المعرفة طوعاً وإختياراً وكسبها جهداً وبذلاً ، وبين مرحلة التكون الفكري والنضج الوجداني.
إن الولوج إلى أروقة الجامعة ليس إلا إيذاناً ببدء التشكل المعرفي الحقيقي؛ حيث تنخلع أثواب التلقين التقليدي، وتنسج عرى الشخصية المستقلة القادرة على التساؤل، والتحليل، والتمحيص. من هنا تصبح الجامعة أكثر من مؤسسة أكاديمية؛ إنها المختبر الأول لصياغة الهوية، والنقطة المركزية التي تتفرع منها مسارات المستقبل المهني والإنساني.
إن قبول الطالب في الجامعة يمثل في دلالته الرمزية والعميقة “شهادة ميلاد ثانية”. إنه لحظة الحصاد الأولى لسنوات من السهر والكد، لكنه في الوقت ذاته إعلان البداية لماراثون طويل. في هذه المحطة، يتخلى العقل عن قوقعة المدرسية المحدودة ليواجه فضاءات رحبة من العلوم والمعارف المتباينة. هنا يبدأ الطالب في اختبار قدراته الحقيقية، وإعادة هندسة أولوياته، وتلمس ملامح دوره الفاعل في المجتمع، متحولاً من مستهلك للمعرفة إلى شريك محتمل في صناعتها.
ولا تقتصر الجامعة على مقررات تلقى في قاعات الدرس، إنما هي مجتمع مصغر يعج بالتجارب الحية وينبض بالإحتكاك العلمي . ففي أروقتها ومدرجاتها، يكتسب الشاب مهارات الحياة الكبرى؛ كالقدرة على الحوار، وإدارة الذات، والعمل الجماعي، ومواجهة التحديات بروح مرنة. إنها المرحلة التي تُصقل فيها المواهب، وتتلاقى فيها العقول المتباينة لتشكل بوتقة يخرج منها الإنسان وقد اكتسى بصلابة الموقف ورهافة الوعي. إن بناء القدرات هنا ليس نفلاً أكاديمياً، إنما هو الدرع الذي يحصن الشاب في مواجهة تقلبات سوق العمل وتعقيدات الحياة المعاصرة.
وفي المقابل، تضع هذه المرحلة على عاتق المؤسسات الجامعية أمانة كبرى ومسؤولية تاريخية لا تحتمل التهاون. فالجامعة الرصينة ليست منارة تلقي علوم جافة، ولكنها حاضنة رؤيوية تقع عليها مهمة اكتشاف المواهب الكامنة وتوجيهها .إن الاستثمار الحقيقي للجامعات يتمثل في إيجاد بيئة محفزة تعتمد على سبر أغوار العلوم ، لا الاكتفاء بقشورها، وتشجيع الطلاب على الاجتهاد الخلاق. والأهم من ذلك، هو منح الثقة بالنفس للشباب؛ فالطالب الواثق بقدراته هو وحده القادر على الابتكار والإبداع والتجديد . إن إهمال هذه المسؤولية يعني تبديداً لطاقات الأمة، بينما رعايتها تمثل استثماراً استراتيجياً في مستقبل الأوطان وتقدمها.
إن القبول في الجامعات هو ومضة البداية في سماء المستقبل، وهو الرهان الأكبر على قدرة الأجيال القادمة على حمل الأمانة الحضارية. وحين تتضافر عزيمة الطالب الساعي نحو معارج المعرفة، مع وعي مؤسسي يدرك عظم الرسالة، يتحول التعليم العالي من مجرد شهادة تُعلق على الجدران، إلى طاقة فاعلة تبني الإنسان، وتنهض بالمجتمعات، وترتقي بسلم العمل والنجاح نحو آفاق لا تعرف حدوداً.



