مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب… النــور الغــرف البلاعــة!!

*يتناول الخيال الشعبى السودانى الشخصيات العجيبة بقدرة فذة على التقاط التناقضات الإنسانية وصياغتها في أمثال سائرة تختزل فى كلمات معدودة حالات نفسية واجتماعية معقدة يقف على رأسها المثل الشهير (النور الغرف البلاعة) وتجسد شخصية (النور) النموذج الأوضح للشخصية الهلامية التى لا تستند إلى ثقل فكرى حقيقى بل تعيش على وهم الضخامة والانتفاخ الكاذب مقتنعة بأنها قد خرقت الأرض وبلغت الجبال طولاً دون رصيد يدعم هذا الادعاء لا ينشأ هذا التضخيم الذاتى فى فراغ بل تصنعه بيئة محيطة من المستفيدين والأرزقية الذين يحيطون بهذه الشخصية بالتهليل والتعظيم ليتخذوا منها ساتراً يمررون عبره مصالحهم الضيقة مستغلين هشاشتها وزيف وعيها*.

 

*يمتد البعد الرمزى فى اسم المثل عبر دلالة (غرف البلاعة) وهى الاستعارة الأكثر قسوة إذ يتحول النور إلى أداة لجمع القاذورات والضغائن ونشرها فى طريق الآخرين ملوثاً الفضاء العام تحت وطأة اندفاعه وتوجيه المحركين له من خلف الستار يمارس النور فى هذا السياق دور (الإضينةل بامتياز وهو المنساق الذى يُستغل لخوض المعارك القذرة نياية عن غيره يظن بجهله أنه يمارس البطولة والنفوذ بينما هو فى حقيقته مجرد منفذ لمآرب أذكى منه وأكثر خباثة تجاوزت شخصية (النور الغرف البلاعة) حدود المثل العابر لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية مكتملة الأركان تشبه إلى حد كبير المسار الفنى لشخصية الزين فى رواية الطيب صالح الخالدة عرس الزين*.

 

*إذا كان الزين يمثل حالة الرمز الصوفى والمبروك الذى يلتف حوله المجتمع بروح المحبة والخير فإن النور يمثل الانعكاس المعكوس لهذه الحالة إنه الزين السلبى الذي تتجمع حوله أدواء المجتمع وتشوهاته تتحول حالة النور فى الوجدان الجمعى إلى مرآة تكشف عورات البيئة التي تنتجه فالمجتمع هو من يمنح هذه الشخصيات الهلامية شرعية التمدد قبل أن يرتد عليه أذاها وتلوث مناخاته العامة بالقاذورات التى تجلبها*.

 

*تتجلى الخطورة الكبرى عندما تتجاوز هذه الحالة النطاق الفردى لتبسط ظلالها على الممارسة السياسية أو الإعلامية حيث يعلى المنصات موهماً نفسه بالقيادة بينما لا يفعل سوى أذية الجميع وفشل المبادرات النبيلة يبقى المثل السودانى (النور الغرف البلاعة) جرس إنذار مبكر يحذر المجموعات والأفراد من صناعة الطغاة الصغار أو الالتفاف حول النماذج الهشة مذكرًا بأن من يتغذى على التضخيم الزائف لن يورث مجتمعه إلا الخراب*.

 

 

yassir.mahmoud71@mail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى