الخرطوم خالية من الملاريا 2030م: إستثمار الجنيه الواحد الذي يدر ألف جنية

قراءات إستراتيجية
حزمة إعادة إعمار هو هو السودان الصحية 2027م – 2037م
المقال الثالث:
بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
سبتمبر 2026م
_______________
حمداً لله على سلامة البروفيسور مأمون حميدة ثالثاََ، فقد أعادنا مقاله “زيارتي لمستشفى علياء 2” إلى ذاكرة إنجاز سوداني عظيم كاد أن ينسى في زحمة الحرب. حين ذكر البروفيسور تجربة الخرطوم “المدينة الخالية من الملاريا” في عهد الوالي عبد الحليم المتعافي ونيلها جائزة منظمة الصحة العالمية، فإنه لم يستدع حنيناً للماضي، بل وضع بين أيدينا الدليل العملي الوحيد على أن السودان قادر على هزيمة الملاريا ليس بالأمنيات، بل بالعلم والإدارة والمال الذكي. إن هذا المقال ليس استرجاعاً لتاريخ، بل هو خطة عمل إستراتيجية هيدروليكية لاستنساخ ذلك الإنجاز وتطويره ليصبح “مشروع الخرطوم خالية من الملاريا 2030م” نواة لإعادة إعمار السودان كله.
إن الأرقام وحدها كافية لتخرس كل متشائم. في الفترة بين 2009م و 2012م أنفقت ولاية الخرطوم 12 مليون دولار فقط على برنامج مكافحة متكامل، فكانت النتيجة انخفاض حالات الملاريا بنسبة 78% ونيل الولاية شهادة من منظمة الصحة العالمية كأول عاصمة أفريقية كبرى تدخل نادي المدن الخالية من الملاريا. والعائد الاقتصادي المباشر وغير المباشر لذلك الاستثمار البسيط قدرته دراسة لاحقة بـ 1.2 مليار دولار خلال 5 سنوات، تمثلت في توفير كلفة العلاج، وزيادة إنتاجية العمال، وتقليل غياب الطلاب، وجذب استثمارات لأن المدينة أصبحت آمنة صحياً. أي أن كل جنيه صرف في الوقاية عاد بألف جنيه. هذه ليست معجزة، هذه معادلة اقتصادية بحتة.
ولكن لماذا نتحدث عن هذا الآن وبعد كل هذا الدمار؟؟؟..
لأن الخسارة اليوم أكبر، ولأن الأدوات اليوم أفضل، ولأن الثمن الذي ندفعه كل يوم يؤكد أن البديل مكلف جداً. وفق تقرير البنك الدولي الصادر في أبريل 2025م فإن الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الملاريا في السودان بلغت 1.8 مليار دولار سنوياً، أي 5% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الرقم يعني أن السودان يخسر كل عام ما يعادل ميزانية إنشاء 3 مدن جديدة بسبب بعوضة…
وفي الخرطوم وحدها، ورغم الدمار، لا تزال الكثافة السكانية الأعلى في السودان، وتقدرها الأمم المتحدة بـ 9.2 مليون نسمة في 2025م، 40% منهم عائدون أو نازحون بمناعة منخفضة كما شخص البروف في مقاله السابق. وتشير بيانات الإدارة العامة لمكافحة الملاريا إلى أن 65% من بؤر البعوض في الخرطوم ناتجة عن تدمير شبكات الصرف وتراكم المياه الراكدة في 6 محليات رئيسية، وهذا يعني أن المشكلة مرئية وقابلة للحل.
إن الخطأ الاستراتيجي الذي وقعنا فيه بعد 2012م هو أننا اعتبرنا الإنجاز دائماً. فتوقف التمويل، وتفككت غرفة العمليات، وعادت المبيدات القديمة، وظهر بعوض مقاوم. واليوم نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ننفق 1.8 مليار دولار سنوياً على علاج الفشل، أو أن ننفق 90 مليون دولار على مدى 5 سنوات للقضاء على سبب الفشل. الحساب بسيط والعائد 20 ضعف.
ومن هنا تأتي “المنهجية الهيدروليكية” لمشروع 2030م، وهي لا تعتمد على الرش العشوائي ولا على الشعارات. تبدأ بتأسيس “الهيئة العليا لمكافحة الملاريا بولاية الخرطوم” بميزانية مستقلة قدرها 18 مليون دولار سنوياً وتقرير مباشر إلى مجلس الوزراء، بعيداً عن بيروقراطية الوزارة. هذه الهيئة تكون مسؤولة عن 5 محاور متزامنة.
المحور الأول: هو “الحرب على البؤر” باستخدام تقنية الدرونز والمسح الجوي الحراري لتحديد كل بركة ومصرف مكشوف في 7 محليات خلال 60 يوماً، ثم تجفيفها أو ردمها أو معالجتها بيولوجياً بمبيد `Bti` الآمن الذي لا يقاومه البعوض…
المحور الثاني: هو “الرش الموجه الذكي” ويعني التخلي نهائياً عن البيرثرويد الذي أثبت المسح الميداني 2024م أن 73% من بعوض الخرطوم مقاوم له، والتحول إلى مبيدات من جيل جديد تعمل بالتناوب الدوري لكسر المقاومة…
المحور الثالث: هو “الدرع البشري” ويعني توزيع 3 ملايين ناموسية مشبعة طويلة المفعول على كل أسرة في المناطق الطرفية والعشوائيات، مع حملة طرق أبواب يقوم بها 5 آلاف متطوع مدرب…
المحور الرابع: هو “الرصد الإلكتروني اللحظي” من خلال ربط كل المراكز الصحية في الخرطوم بنظام رقمي يرسل تقريراً يومياً عن كل حالة ملاريا مع تحديد الإحداثيات الجغرافية، فتتحرك فرق الاستجابة السريعة خلال 24 ساعة لعزل البؤرة قبل أن تنتشر…
المحور الخامس: والأهم هو “تفعيل المجتمع” عبر إلزام كل منزل وحى مدرسة ومسجد وشركة بتخصيص يوم شهري لحملة نظافة وإصحاح بيئة عامة، لأن الملاريا لا تهزم بالوزارة وحدها بل بالمواطن.
إن المعارضين سيقولون من أين نأتي بـ 90 مليون دولار؟ وأقول لهم إننا ننفق هذا المبلغ وأكثر على الفشل. فاتورة استيراد أدوية الملاريا الفاشلة وحدها 40 مليون دولار سنوياً، وفاتورة علاج المضاعفات في المستشفيات 70 مليون دولار، وفاتورة غياب العمال 300 مليون دولار. أي أننا ننفق 410 مليون دولار سنوياً لنبقي المرض حياً. لو خصصنا ربع هذا المبلغ للوقاية لانتهى المرض في 3 سنوات. كما أن “صندوق السيادة الدوائية” الذي اقترحناه في المقال الأول يمكنه تمويل 40% من المشروع، و 30% تأتي من شراكة مع القطاع الخاص وشركات الاتصالات والبنوك كمسؤولية مجتمعية، و 30% من المنح الموجهة من الصندوق العالمي لمكافحة الملاريا والسل والإيدز.
إن القيمة الإستراتيجية لمشروع 2030م لا تقف عند حدود الخرطوم.
نجاح الخرطوم يعني أننا نمتلك “نموذجاً سودانياً” قابلاً للتصدير إلى مدني والفاشر ونيالا والأبيض وكسلا . يعني أننا نستطيع أن نقول للعالم إننا لم نكتف بالبكاء على الحرب، بل بنينا نظام صحة عامة يقاوم الأزمات. ويعني أننا نوفر 600 مليون دولار سنوياً كانت ستذهب للعلاج ونوجهها لإعمار المدارس والطرق وبقية الخدمات .
الخلاصة التي أختم بها هذه القراءة الثالثة من “حزمة إعادة إعمار السودان الصحية” هي أن البروفيسور مأمون حميدة ذكرنا بحقيقة نسيناها: الوقاية تدر المال. الجنيه الذي يصرف في تجفيف بركة اليوم هو ألف جنيه لا نصرفه في حقنة العناية المركزة غداً. “الخرطوم خالية من الملاريا 2030م” ليس شعاراً، هو عقد بين الدولة والمواطن على الحياة. إذا نجحنا فيه أثبتنا أن الحرب لم تقتل فينا روح الإنجاز، وإذا فشلنا فيه فسنثبت أننا لم نتعلم من أخطائنا. والوقت الآن ليس وقت اجتماعات، الوقت وقت درونز ورش وناموسيات وعمل ميداني. فهل نبدأ اليوم؟
نسأل الله أن يجعل السودان و الخرطوم كما كان منارة للصحة، وأن يحفظ أهله من كل داء.
“والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل”..



