(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… المشعل الذي لا ينطفي!!

في زمن اشتدت فيه المحن، وتجشّمت فيه البلاد جراحاً غائرة، خرجت من بين الشدائد الهيئة الشعبية لنصرة القوات المسلحة السودانية كمشعلٍ لا ينطفئ، وكشاهدٍ حيّ على أن هذا الشعب عصيّ على الانكسار.
لم تكن الهيئة مجرّد لافتة تُرفع في المسيرات، ولا بياناً يُج في المؤتمرات، بل كانت تجسيداً صادقاً لقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]. فجمعت شتات القلوب تحت راية واحدة، وترجمت شعار “شعب واحد.. جيش واحد” إلى واقع ملموس.
جذور الفكرة.. من رحم المحنة
نشأت الهيئة استجابة لنداء الواجب والوطن والدين. عندما شرّدت الحرب الأسر، وهدّمت الدور، وتجشّم المواطن مشاق النزوح والجوع، أدرك السودانيون أن المعركة ليست معركة جيش نظامي يواجه البندقية بالبندقية فقط. إنها معركة شعب بأكمله يدافع عن أرضه وعرضه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” [رواه البخاري ومسلم]. فكان لزاماً أن يتحول كل بيت إلى ثكنة، وكل قرية إلى معسكر نصرة، وكل مدينة إلى جبهة خلفية تشجّ المقاتلين. وهنا تجلّى دور الهيئة في جمع شمل الخيرين وتنظيم جهود المتطوعين.
مجالات النصرة.. صورة مشرّفة للتكافل
لم يقتصر عمل الهيئة على جانب واحد، بل امتد ليشمل مناحي شتى امتثالاً لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]:
1.النصرة المادية قوافل لا تنقطع من الغذاء والدواء والكساء تسير إلى المتحركات. تبرعات جمعت من السوق والمسجد والجامعة. مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من جهّز غازياً في سبيل الله فقد غزا” [رواه البخاري ومسلم]. رجال أعمال جادوا بمالهم، ومزارعون جادوا بمحصولهم، ونساء جادت بما ادّخرته لأيام الشدة.
2. النصرة المعنوية: زيارات ميدانية لخطوط النار، لقاءات مع الجرحى في المشافي، تكريم لأسر الشهداء. كلمات تشجيع تبث في الجنود روح الجهاد والصبر. والله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200].
3. النصرة الاجتماعية كفالة أسر الشهداء والمفقودين، إيواء النازحين، فتح المدارس والخلاوي لإغاثة المتضررين. عملاً بقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]. لقد جسّدت الهيئة معنى التكافل الذي طبع الشخصية السودانية.
4. النصرة الإعلامية: مواجهة شائعات العدو، وكشف زيف دعايته. ونقل صورة مشرّفة لجيش يقاتل بشرف، ولشعب يقف خلفه بصلابة. لأن الكلمة أمانة، والصدق منجاة.
شعب واحد.. جيش واحد.. معنى يتجاوز الحروف
هذا الشعار لم يكن هتافاً عابراً. لقد تجسّد في مشاهد لا تُنسى:
شيخٌ طاعن في السن يتبرع بمعاشه، وشابٌ جامعي يترك مقاعد الدراسة ليتطوع في المستشفيات، وامرأة سودانية تجمع جاراتها وتعد الطعام للمقاتلين، وتاجرٌ يغلق دكانه ويخرج في قافلة نصرة.
لقد أدرك العدو أن إضعاف السودان لن يتم بمواجهة الجيش وحده، فحاول أن يشجّ الصف الداخلي. لكنه اصطدم بجدار من الوحدة الوطنية. اصطدم بشعبٍ عرف أن مصيره مرتبط بمصير جيشه، وأن هزيمة الجيش تعني تشريد الجميع. وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد” [رواه مسلم].
التحديات.. والإصرار
واجهت الهيئة شجوناً جساماً: نقص في الموارد، وتضييق من بعض الجهات، ومحاولات لتشويه عملها. لكن إصرار القائمين عليها كان أكبر، مستندين إلى وعد الله: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160].
آمنوا بأن ما يقومون به ليس منّة، بل واجب وطني وديني. فجابوا الولايات، وشجّعوا اللجان الفرعية، وأسوا شبكات تواصل بين المغتربين والداخل. فكان للسوداني في المهجر دور، وللمرأة دور، وللشباب دور، وللإدارة الأهلية دور. الجميع شركاء في معركة المصير.
اليوم، ونحن نقف على أعتاب مرحلة جديدة، تبقى الهيئة
نقطة ضوء تهدي التائهين. تذكّرنا بأن قوة الأمم لا تُقاس بعدد دباباتها فحسب، بل بمدى تلاحم شعبها وإيمانه بقضيته.
لقد علمتنا التجربة أن القوات المسلحة السودانية ليست مؤسسة منفصلة عن الشعب، بل هي ابن هذا الشعب ودمه. وأن الشعب بدون جيش يحميه يصبح فريسة سهلة، وأن جيشاً بدون شعب ينصره يفقد بوصلته.
والمستقبل يتطلب أن نُجج هذا العمل ونطوّره. أن نحوّل هذا الحراك الشعبي إلى مؤسسة راسخة تُعنى بقضايا الدفاع الشعبي، وإعادة الإعمار، وبناء الوعي الوطني على أساس من القرآن والسنة.
التحية لكل من جاد بوقته وماله وجهده. التحية لأمهات الشهداء اللواتي احتسبن، وللجرحى الذين ضحوا بأجسادهم، وللجندي المرابط في الخنادق.
لقد سجّل التاريخ أن السودانيين عندما اشتدت بهم المحن، لم يتفرقوا. بل تجمعوا، وتشابكوا، وتجاوزوا الجراح، مستهدين بقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139].
لأن الرسالة كانت واضحة، والهدف كان واحداً، والطريق كان مرسوماً بدماء الشهداء:
شعب واحد.. جيش واحد.. وسودان واحد لا يقبل القسمة ولا التجزئة.
وستبقى هذه الهيئة شاهدة على أن في عتمة الشدائد، يمكن أن تولد نقطة ضوء تغيّر وجه التاريخ.



