مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب…حافظ.. «البَعْث» النقابي في سماء ود مدني

حين يترمد العمران وتستباح العواصم، لا تتهاوى الأبنية وحدها، بل تنكسر الهياكل التي تُمسك بعصب الحياة. وفي «ود مدني» عقب زوال المحنة، لم تكن المؤسسات مجرد أرقام أو دفاتر قديمة، بل كانت روحاً تُصارع العدم لتنبعث من جديد من بين الركام.

في زيارتنا الأولى لقلعة *اتحاد نقابات عمال ولاية الجزيرة* — هذا الصرح العريق الذي كان ولا يزال المدرسة الأم التي صقلت القادة وصنعت القامات — كان المشهد يختزل الفراغ في أبشع صوره: جدران متصدعة تنزف جيرها، أثاثات استباحها النهب الممنهج، وعدد لا يتعدى أنامل اليد الواحدة من المعاونين.. بيئة «تطرد» الأمل وتغري بالانسحاب والتنصل من التكليف.

غير أن الفرق الجوهري بين الإداري العابر والقيادي التشبع بأدبيات هذه القلعة النقابية؛ فالأول يرى الدمار نهاية المطاف وسقف الممكن، بينما يراه الثاني مساحة بيضاء خالية لإعادة الهندسة والتأسيس. لم ينتظر الأستاذ *حافظ ميرغني*، الأمين العام للاتحاد والابن البار لهذه المدرسة العريقة، هبوط معجزة تنموية من السماء، بل شمر عن ساعد الجد معتمداً على الإرث المؤسسي الصلب للاتحاد، ومطلقاً إستراتيجية «الصدمة المعاكسة» متجاوزاً نواح الثكالى على الأطلال إلى تدشين ورشة عمل تنبض بالحياة والإصرار.

لم تكن عودة الاتحاد شِعاريةً أو بروتوكولية، بل انطلقت من الفلسفة الراسخة التي قام عليها اتحاد عمال الجزيرة في نجدة قواعده زمن الأزمات؛ فأدخل الاتحاد عبر أمانته العامة مفاهيم تشغيلية غير تقليدية لإحياء الجسد النقابي المنهك، جاعلاً من الحاجة المشتعلة وقوداً للإنجاز؛ فكان مشروع الركشات لضخ الدماء في شرايين الإنتاج الفردي وتوفير بدائل تمويلية مرنة للعاملين، ثم تفعيل ملف السلال الغذائية بكفاءة لوجستية عالية ليكون بمثابة شريان حياة يسبق التضخم ويرمم الأجور، إلى جانب وضع قضايا المعلم في رأس جدول الأعمال وإدارتها بحوارات معمقة مع قادة العمل التربوي والمالية والجهات ذات الصلة، لإيمان راسخ بأن عودة المدرسة واستقرار حقوق المعلم هما الإعلان العملي والنهائي لتعافي المجتمع واسترداد عافيته.

ولم تقتصر أذرع الاتحاد التنفيذية على المطالب المالية والتنظيمية الروتينية، بل تحوّل مقر الاتحاد — بفضل رؤيته الاجتماعية التاريخية — إلى ملاذ وحصن إنساني متكامل لجميع أبناء الولاية والوافدين إليها؛ حيث تجلت عظَمَة هذه المؤسسة النقابية بشكل ملموس ومُشاهد في حلحلة معضلات حيوية تمس كرامة الإنسان وحياته اليومية. فكان للاتحاد السبق واليد الطولى في ملفات الإطعام، وتذليل الإشكاليات العلاجية والطبية الحرجة للمرضى الوافدين إلى الدار، فضلاً عن التصدي الشجاع لإشكاليات طلاب المدارس والكليات والمعاهد العليا عبر تخفيف وطأة الرسوم الدراسية، وتوفير حلول ناجعة للإعاشة والسكن، مما أثبت أن الاتحاد ليس مجرد كيان مطالبات مطلبية، بل هو صمام أمان اجتماعي شامل.

> *”تُدار المؤسسات العتيدة بصلابة الفكرة قبل كفاية الإمكانات؛ حيث يتحول الهاتف التنفيذي إلى غرفة عمليات مفتوحة، تُدار بها اللحظة الحاضرة بلا روتين، وتُربط بها المهل بالتنفيذ المباشر.”*

>

ولما أعدنا الكرّة بالزيارة بعد عدة شهور، وتحديداً قبل يومين فقط، إذا باللوحة القديمة البائسة قد مُحيت تماماً؛ خلية نحل يضج بها المقر، قيادات وهيئات متخصصة تتدافع، ومراجعون يجدون في هذا الاتحاد العريق ملجأً وملاذاً. ينظر المحلل الحصيف إلى الأستاذ حافظ ميرغني وهو يقود هذا الدولاب التنفيذي بمهارة أبناء المدرسة النقابية العتيدة، فلا يرى مجرد موظف تنفيذي، بل يرى غرفة عمليات متحركة تتمتع بالحس الديناميكي المباشر؛ رنين هاتف لا يهدأ، توقيعات وتصديقات تنساب بمرونة عالية، اجتماعات مغلقة تليها جلسات حوار مفتوحة، وفي منتصف هذا الصخب، تجده يخاطب منسوبيه عبر الهاتف بنبرة تجمع بين الأبوة والمسؤولية القيادية: *”هناك اجتماع اليوم لم تحضره، وعلى آخرين: هناك لقاء مرتقب مع المسؤول فلان فتأهبوا!”*.. إنها إدارة «اللحظة الحاضرة» التي لا تحتمل التأجيل، ولا تعترف بالروتين العقيم.

إن العظمة الحقيقية للعمل النقابي في الجزيرة تتجلى في هذا التكامل الراقي بين عراقة المؤسسة وسمت قيادتها الأخلاقي؛ فالأستاذ حافظ، برغم تدفق الملفات المعقدة بين يديه، يُصر بصورة تدعو للإشفاق ألا يسلم على زائر وهو جالس، كائناً من كان! ينهض بقامته ومقامه، ويصيح آمراً بكرامة الضيافة، مستحضراً أدبيات الاتحاد وأخلاق السوداني الأصيل الذي لا تغيره الكراسي ولا تكسره الأهوال.

إننا إذ نضيء هذه المساحة، لا نكتب بمداد مجاملة، ولا نسعى لودٍّ متكلف، فما بيننا وبين هذا الصرح النقابي وقيادته إلا الحس الصحفي الراصد المترفع عن المصالح؛ فإن رأينا إعوجاجاً جردنا أقلامنا لتقويمه فالرأس هو المسؤول، وإن وجدنا استقامةً وجسارة كان حقاً علينا -أخلاقاً وتاريخاً- أن نشير بالبنان، ونرفع القبعة، ونشهد بالحق. لقد أثبت اتحاد نقابات عمال ولاية الجزيرة، بقيادة أمينه العام الأستاذ حافظ ميرغني، أنه قادر على استخراج ميلاد جديد للعمل النقابي من رحم المأساة، وحقٌّ على ولاية الجزيرة، وعمالها، وكل من شهد هذه الملحمة، أن يدعوا لهم بالتوفيق والسداد.. فمن لا يشكر الناس، لا يشكر الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى