مقالات الظهيرة

د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… الأرشيف الرقمي… ذاكرة لا تعرف الحدود ( 4)

في الماضي كانت الذاكرة تُحفظ في خزائن، أما اليوم فقد أصبحت تسكن في فضاء لا تحده الجغرافيا.

لم يعد الأرشيف مجرد رفوف تحمل ملفات قديمة، ولا صناديق تحفظ صورًا ووثائق يخشى عليها من التلف. لقد دخلنا عصرًا جديدًا أصبحت فيه الوثيقة قادرة على عبور القارات في ثوانٍ، وأصبح من الممكن أن تصل صورة قديمة أو صحيفة تاريخية أو تسجيل صوتي إلى باحث في أقصى العالم دون أن يغادر مكتبه.

إنه الأرشيف الرقمي؛ الذاكرة التي لا تعرف الحدود.

لكن سهولة الحفظ والنشر لا تعني بالضرورة ضمان البقاء.

فكم من صور محفوظة في هواتف أصحابها ثم اختفت مع تعطل الجهاز؟ وكم من تسجيلات مهمة بقيت حبيسة أجهزة شخصية؟ وكم من ملفات رقمية ضاعت بسبب تغيير الأنظمة أو تلف وحدات التخزين أو فقدان كلمات المرور؟

هنا ندرك أن التحول من الورق إلى الرقمي ليس مجرد نقل الوثيقة من شكل إلى آخر، وإنما هو مشروع متكامل لحماية الذاكرة.

والأرشيف الرقمي الحقيقي لا يعني أن نجمع آلاف الملفات في مجلد واحد ونقول: لقد وثقنا.

التوثيق يحتاج إلى تصنيف، وفهرسة، ووصف، وتحديد للتواريخ والمصادر، ونسخ احتياطية، ووسائل آمنة للحفظ، وسياسات واضحة تضمن إمكانية الوصول إلى الوثيقة عندما نحتاج إليها.

والأهم من ذلك كله: أن نعرف ماذا نحفظ، ولماذا نحفظه، ولمن نتركه؟

في السودان، تبدو الحاجة إلى الأرشيف الرقمي أكثر إلحاحًا.

فلدينا ذاكرة واسعة موزعة بين الصحف القديمة، والجامعات، والمؤسسات، والمراكز الثقافية، والإذاعات، والتلفزيونات، والمكتبات، والأسر، والأفراد.

لدينا صور لأجيال، وتسجيلات لشخصيات، ومخطوطات، ووثائق إدارية، وأعداد صحف، وكتب، وأبحاث، ومقابلات، ومواد ثقافية وفنية تشكل في مجموعها أجزاء مهمة من الذاكرة السودانية.

لكن جزءًا كبيرًا من هذه الذاكرة ما يزال مهددًا بالضياع.

وهنا لا يكفي أن نتحسر على ما فقدناه؛ المطلوب أن نبدأ في إنقاذ ما تبقى.

إن إنشاء أرشيف رقمي وطني لا يعني بالضرورة مشروعًا ضخمًا يبدأ من أعلى إلى أسفل. يمكن أن تبدأ الفكرة من الجامعات، والمؤسسات الإعلامية، والمراكز البحثية، والمكتبات، وحتى المبادرات الفردية.

يمكن لكل مؤسسة أن تبدأ بتوثيق تاريخها.

ويمكن لكل جامعة أن تحفظ صور أساتذتها وبحوثهم ومؤتمراتها.

ويمكن لكل صحيفة أن تعمل على رقمنة أعدادها القديمة.

ويمكن لكل مؤسسة إعلامية أن تحفظ تسجيلاتها وبرامجها.

ويمكن للأفراد أن ينقذوا الصور والوثائق العائلية القديمة من النسيان.

فكل ملف يُحفظ اليوم قد يكون وثيقة يحتاج إليها باحث غدًا.

لكن ثمة قضية أخرى لا تقل أهمية: الوصول إلى الذاكرة.

فالوثيقة التي تُحفظ ولا يستطيع أحد الوصول إليها تظل محدودة القيمة. ولذلك ينبغي أن يكون هدف الأرشيف الرقمي هو الجمع بين الحفظ والإتاحة، مع احترام حقوق الملكية الفكرية والخصوصية والمواد التي تتطلب حماية خاصة.

إننا لا نريد أرشيفًا رقميًا ضخمًا فحسب، بل نريد ذاكرة منظمة، موثوقة، قابلة للبحث، وقادرة على خدمة الإنسان والباحث والمؤسسة والمجتمع.

والميزة الكبرى للأرشيف الرقمي أنه يستطيع أن يجعل الذاكرة السودانية متاحة للعالم.

فالصورة التي التقطت في الخرطوم يمكن أن يراها باحث في القاهرة أو لندن أو كوالالمبور.

والبحث الذي أنجزه أكاديمي سوداني قبل عقود يمكن أن يصل إلى طالب في جامعة بعيدة.

والتسجيل الذي يوثق شهادة شخصية وطنية يمكن أن يصبح مصدرًا للأجيال التي لم تعش تلك المرحلة.

هكذا تتجاوز الذاكرة حدود المكان.

لكن علينا ألا ننسى أن التكنولوجيا نفسها لا تصنع الذاكرة؛ الإنسان هو الذي يقرر ما الذي يستحق أن يُحفظ.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع الورق أو الأجهزة، وإنما مع النسيان.

قد يتغير الهاتف، وتتطور المنصات، وتختفي بعض التطبيقات، لكن مسؤوليتنا تبقى واحدة:

أن نحفظ ما لا نريد أن نفقده.

فالأرشيف الرقمي ليس مستودعًا للملفات…

إنه جسر بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وإذا كان التوثيق هو ذاكرة الأمة، فإن الأرشيف الرقمي هو الوسيلة التي تستطيع هذه الذاكرة من خلالها أن تعبر الزمن والجغرافيا.

احفظوا اليوم… لأن ما نراه عاديًا الآن قد يصبح غدًا ذاكرة وطن كاملة.

 

 

whba938@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى