مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب…السلام الداخلي!!

تتسابق كائنات هذا العصر في سيركٍ متصل من الذهول. يركض الجميع خلف أطياف الوصول، بينما تهرب أرواحهم في الاتجاه الموازي؛ ليبقى “السلام الداخلي” هو النقطة صفر في جغرافيا الوجود، والملاذ الشاهق الذي لا تصل إليه مجنزرات الضجيج. ليس هذا السلام مجرد بياضٍ سلبي أو استراحة محارب أرهقته الهزائم، بل هو الطاقة المتفجرة في المركز، القوة الغاشمة للهدوء.. تلك التي تجعل القاع ثابتاً بينما يتعارك السطح مع أوهامه. إنها الهندسة السرية للروح حين تقرر ألا تكون مجرد صدى لما يحدث في الخارج، بل المصدر الأساسي لكل إيقاع.

العبور إلى هذه المنطقة العصية يتطلب شجاعة جراح؛ يستأصل زوائد الماضي، ويقطع حبال التعلق المرخاة على جمر الندم. كيف لبذور اليقين أن تتفتح في أرضٍ تتغذى على الخصومات المعلقة؟ السلام، في جوهره، عملية تطهير حاسمة؛ تعيد للروح نبعها الصافي، وتغمر الوجدان بنكهة السكينة الأصيلة والوفاء للجذور والوطن مهما تطاولت المسافات وأرهقنا الشتات. هنا يتحول التسليم الإيماني والوعي الفلسفي من ترفٍ فكري إلى صدّادٍ متين يمنع تسرب الهشاشة النفسية. حين يمتلئ المرء بذاته، يسقط سحر المقارنات، تتلاشى رغبة الانتقام، ويتحول القدر من غريمٍ يُصارع إلى شريكٍ يُفهم وتُصنع معه المصالحة الكبرى.

وحين يستقر هذا المعنى في الشرايين، ينكسر القيد الفردي ليعيد تشكيل المشهد الجمعي برمتيه. الإنسان المصالح مع ذاته لا يعود مجرد عابر؛ إنه يستحيل “مكثّفاً للسكينة” في محيطه. يقف وسط الفوضى كشجرة طاعنة في الحكمة والرسوخ، تمنح الظل لمن يحترقون بشمس النزاعات الضيقة، وتتقن لغة المطر التي تُصلح ما أفسده الجفاف دون أن تحدث صخباً. هذا هو النضج الذي يحوّل الطاقات المهدورة في أزقة الخلافات إلى إشراقٍ إنساني يرمم التصدعات، ويمنح الآخرين مجاناً حق التنفس بعمق.

إن اقتناص هذا الشرف الأسلوبي في العيش ليس نزوةً عابرة، بل الرهان الأكبر على جدارتنا بالإنسانية. إنه البناء المدهش الذي ينقلنا من ضفة “الوجود الشكلي” إلى ضفة “الحضور الفاعل”؛ حيث يصبح النجاح مقاساً بحجم المساحة التي لا تستطيع الفوضى مسّها داخل صدورنا. وفي ختام المعركة،

يظل السلام الداخلي هو الانتصار الوحيد الذي لا يحتاج إلى جثث الضحايا، والمملكة الوحيدة التي يدخلها الإنسان ملكاً.. حتى وإن كان لا يملك في ظاهره سوى ابتسامةٍ واثقة، وروحٍ تتجدد، وأملٍ ينبض بالريادة والصدارة دون أن ينكسر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى