مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب… صوتٌ بلا ملامح: فلسفة “الانصرافي” وإعادة تعريف الفضاء الإعلامي

إستوقفتُ نفسي أمام صوت الإنصرافي أو صرفة ..من أين أتته هذه الفكرة ؟ وكم بذل فيها من الإعداد والتخطيط ؟

لا سيما في زمنٍ صرنا فيه نعيشُ سطوة الصورة، ونساق فيه خلف البهرجة المرئية، والنجومية الزائفة، والمظاهر المحشوة بالهويات المعرفة والأسماء البراقة؛ تبثُّ الحياة فجأةً أُنموذجاً يقلب الموازين الإعلامية رأساً على عقب، ويُعيد إحياء الكلمة والصورة الصوتية في أبهى صورها الفطرية والمؤثرة. تلك هي ظاهرة الانصرافي.

الحالة الإعلامية التي تجاوزت الأطر التقليدية لتغدو حالةً توعوية، وفلسفة نضالية، واختراقاً ناعماً لمكنونات النفس البشرية، وأشواق الوجدان الجمعي.

تكمن العتبة الأولى في فهم هذه الظاهرة في معاني التخلي والجرد الفلسفي. فلقد ألغت ظاهرة الانصرافي أسطورة الهوية الشكلية ، فالاسم، واللقب، والرسم، والصفة الرسمية، كلُّها سقطت أمام التزامٍ أسمى ، أن تكون صاحب رسالة .

حيث هدمت هذه الظاهرة المركزية الفردية لتسلط الضوء كاملاً على الفكرة ذاتها. حين تغيب الذات، وينمحي المظهر الشكلي، تتلاشى دوافع البحث عن الشهرة والمكاسب الضيقة، ليتجلى نبل الوطنية المخلصة دون مقابل.

إن هذا التجريد أوجد مساحة نادرة من الموثوقية؛ حيث يرى المستمع في هذا الصوت حقيقةً عارية من أغراض النجومية، ومجردة من أطماع الظهور.

تاريخياً، لم يكن الصوت وسيلة لنقل اللغة فحسب ، ولكنه كان عبر العصور أداةً لتجميع الأُمم، وقيادة الجماهير، واستفزاز مشاعر النضال؛ فمن خطابات القادة المؤثرين في الحروب، إلى نداءات المصلحين في عتمات التغيير.

ظل الصوت أقدم في الوجدان البشري من الصورة، وهندسته هي الأقرب إلى الجهاز العصبي والنفسي للإنسان.

وفي نموذج الانصرافي الذي بين أيدينا تحولت النبرة الصوتية من مجرد أداة للتوصيل إلى وسيلة قيادية بذاتها. إنها ظاهرة صوتية أوجدت عِلماً إعلامياً غير مسبوق؛ فالصوت هنا يُمثّل بصمة روحية ووجدانية تتعدى حواجز الزمان والمكان.

إذ النبرة الحادة حين تستدعي الحمية، والهادئة حين تبث الطمأنينة، والساخرة حين تفكك التناقضات؛ كلُّها تشكّل أوركسترا تأطيرية تكسر القيود وتصل إلى أذن المستمع بسلاسة وأريحية نادرة. إنه إختراق ناعم للدواخل يتجاوز دفاعات العقل المادي إلى عمق الشعور والضمير.

ولم تتوقف الظاهرة عند حدود الخطاب السياسي المجرد، ولكنها تميزت بقدرتها الهائلة على التنوع والشمول. لقد أخذ الخطاب ألواناً طيفية متكاملة؛ من قراءة المشهد الأمني والسياسي وتوجيه البوصلة الوطنية بحسٍّ استباقي، إلى البعد الإنساني والجغرافي الذي يربط الأرض بالإنسان ويستدعي قيم التكافل والتضامن في أحلك الظروف، وصولاً إلى الطرح الثقافي والتعليمي الذي يرسخ الوعي التاريخي والمجتمعي ويُعيد بناء المفاهيم بأسلوب يبسط المعقد ويُقرّب البعيد.

هذا الثراء المحتويّ منح الظاهرة قيمة مضافة ترتكز على التشويق والمواكبة المستمرة، وجعل منها مادة إعلامية هادفة تتجاوز الرتابة والتكرار، وتلبّي تطلعات الشارع الشغوف بالمعرفة الصادقة والتوجيه الرشيد.

وعلى الرغم من حالة الانقسام المجتمعي والإعلامي التي تحيط بالظاهرة عادةً، بين مؤيدٍ يرى فيها صوتاً يعبر عن ضمير الأمة ودافعاً لوطنيتها، ورافضٍ يقرؤها بمنظور مغاير؛ إلا أن هذا التباين في المواقف لم يغير من معادلة الأثر شيئاً، ولم يفلح في كبح جماح انتشارها. فالاختلاف حول الظواهر الكبرى هو من طبائع الأشياء، بل إنه يُشكل الوقود الذي يزيدها حيوية وحضوراً، فلم يستطع أي تحفظٍ أن يوقف الزحف التنويري أو أن يحد من المد التأثيري لهذا الصوت الذي يتجاوز منصات النقد ليصل مباشرة إلى قلب المشهد وعمق الفاعلية المجتمعية.

لقد قدمت ظاهرة الانصرافي درساً بليغاً للمؤسسات الإعلامية التقليدية، مفاده أن التأثير الحقيقي لا يتطلب استوديوهات فارهة أو إضاءات خادعة، وإنما يتطلب أصلين لا غنى عنهما: أصالة القضية، وصدق الصوت.

إنها لون توعوي فريد يستمد قوته من البساطة والنفاذ المباشر إلى القلب، ويُثبت أن الوطنية الصادقة حين تتلفّع بالصوت الحر، تكون أعتى من كل منصات التضليل، وأبقى في ذاكرة الشعوب وأعمق أثراً في مسيرتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى