مقالات الظهيرة

(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب… لا يحدث إلا في السودان!

في السودان يمكن لخمسة ناشطين أن يجلسوا في غرفة صغيرة فيسمّوا أنفسهم (قوى سياسية) ثم يبحثوا عن دولة تتبنى مشروعهم، وبعد قليل يصبحون في نشرات الأخبار (قيادات سودانية) يتحدثون باسم الشعب السوداني كله! خمسة أشخاص فقط، ولو فتشت عن السادس لوجدته في الطريق لا يعرف أين اتجاهه!

 

وفي السودان يمكن لشخص واحد أن يصنع مجموعة من حوله، ثم يقنع نفسه بأنها تمثل (الشارع السوداني) فيلتقي رئيس جمهورية ما ويشرح له أزمة البلاد ويقدم له الحلول، والرئيس يستمع ويبارك ويقول: (فكرة عظيمة)… بينما الرجل نفسه عندما يخرج من قصر هذا الرئيس ويعود الي البلاد لا يجد من ينتظره سوى السائق وموظف يحمل له الشنطة!

 

في السودان يمكن لأي شخص أن يضع اسماً لحركة مسلحة، ويصدر بياناً، ويرسم شعاراً، ويعلن التمرد، وبعد سنوات يعود إلى الخرطوم حاملاً ملفاً سياسياً، فيصبح فجأة (قائداً) له نصيب في السلطة، وهنا لا تسأل عن عدد الجنود، فالمهم أن للحركة اسماً طويلاً !

 

أما السياسة عندنا فهي حكاية أخرى، بين كل شخصين سودانيين تجد ثلاثة سياسيين! وكل واحد منهم مقتنع أنه الأذكى والأكثر فهماً والأكثر شعبية، وأن التاريخ أخطأ فقط لأنه لم يمنحه المنصة المناسبة، وإذا سألت عن جماهيره قال لك: (الناس كلها معنا)، فإذا طلبت منه أن يريك هذه الناس أشار إلى رجل يحمل حقيبته وآخر يقود سيارته وثالث يكتب له البيانات!

 

الأطرف أن بعض السياسيين يعيشون في (جمهورية الخيال السياسي)! عاصمتها المكتب، وبرلمانها مجموعة واتساب، وجيشها ثلاثة أشخاص، ووزارتها صفحة فيسبوك، ومع ذلك يصدرون القرارات وكأنهم يديرون دولة قوامها خمسون مليون مواطن!

 

في السودان حتى الشهرة لها فلسفتها الخاصة ، يمكن (للقونة) أن تصبح مشهورة ليس بالضرورة لأن كلمات الأغنية عظيمة أو الصوت استثنائي، وإنما لأن (الدَقَة) تكفي لصناعة (جبجبة) و الموسيقى كانت حاضرة بقوة!و( الغبار عاكل)! ، عندنا أحياناً الجمهور لا يسأل: (قالت شنو؟) بقدر ما يسأل عن أين (الزنق) ؟ ويمكن بسهولة للذي أو التي تصنع لايفا فيه كلام فارغ وعديم المحتوي المفيد أن يحصل علي لايكات بالكوم … هذا لايحدث إلا هنا !

 

السودان بلد عجيب ، حتي في الشعر يقال له: (منعول ابوكي بلد )! ، فيه يمكن أن تتحول المجموعة الصغيرة إلى حزب، والحركة المحدودة إلى قضية، والبيان إلى مشروع سياسي، والناشط إلى زعيم، والزعيم إلى مفاوض، والمفاوض إلى صاحب نصيب، والقونة إلى نجمة…

 

إني من منصتي أنظر… حيث أرى أن أغرب ما في السودان ليس كثرة السياسيين، بل أن كل سياسي تقريباً يعتقد أن السودان كله ينتظره( واحسن منو حواء السودانية ماوِلْدَت) ! .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى