مقالات الظهيرة

(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب… عندما يتحول الظن إلى سلاح يهدم البيوت ويقطع الأرحام!!

إن من أخطر الأمراض التي فتكت بمجتمعاتنا، ومزقت نسيجنا الاجتماعي، وقطعت أواصر المحبة بيننا، داء الاتهام بالباطل وسوء الظن بالآخرين، ذلك الداء العضال الذي يبدأ بكلمة في مجلس، وينتهي بقطيعة رحم، وهدم بيت، وضياع مستقبل، وتشويه سمعة بريء لا ذنب له إلا أنه كان ضحية لخيال مريض وقلب أسود.

 

إن البعض اليوم أصبح خبيراً في تأليف القصص، بارعاً في نسج خيوط الاتهام، يرى الموقف من بعيد فيحلله على هواه، ويسمع الكلمة مجتزأة فيفسرها بسوء نيته، ثم يخرج على الناس وكأنه جاء بالخبر اليقين، يرمي هذا بالخيانة، ويتهم ذاك بالغدر، ويصف الثالث بما ليس فيه، دون أن يكلف نفسه عناء التثبت أو مشقة التبين، مع أن ديننا الحنيف أمرنا بالتثبت وجعله منهج حياة، فقال عز من قائل: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.

 

لقد حذرنا الله عز وجل من الظن ذاته، فما بالك بالاتهام المبني على الظن، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا، فإذا كان بعض الظن إثماً فكيف بمن يجعل الظن حقيقة، والوهم دليلاً، والشك يقيناً، ثم يبني عليه أحكاماً جائرة تدمر حياة الناس.

 

يا من تتهم الناس بالباطل، اعلم أنك ظالم، والظلم ظلمات يوم القيامة، قد تظن أنك ذكي حين تروج لاتهامك، وقد تظن أنك قوي حين يصدقك بعض السذج، لكنك في حقيقة الأمر ضعيف، لأنك لم تستطع مواجهة الحقيقة، فلجأت إلى الكذب والافتراء، وقد تنجو بفعلتك في محاكم الدنيا، وقد يصفق لك من يجهل الحقيقة، لكنك أبداً لن تنجو من محكمة العدل الإلهي، تلك المحكمة التي لا تحتاج إلى محامٍ ولا شاهد، فالله هو الشاهد وهو الحكم العدل الذي لا يظلم عنده أحد.

 

كم من مظلوم بات ليله ساهراً، دموعه على خده، يرفع يديه إلى السماء يشكو ظلم من ظلمه، وكم من بريء شوهت سمعته بكلمة، فضاقت عليه الأرض بما رحبت، وكم من أسرة تشتت بسبب إشاعة، وكم من أخوة تحولوا إلى أعداء بسبب سوء ظن، إن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام ويقول وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.

 

إن الذي يسيء الظن بالناس دائماً عليه أن يراجع نفسه، وأن يفتش في قلبه، فالطيب لا يرى إلا طيباً، والخبيث لا يرى إلا خبثاً، فمن امتلأ قلبه حقداً وحسداً، رأى كل الناس حاقدين وحاسدين، ومن كان قلبه نقياً تقياً، أحسن الظن بخلق الله والتمس لهم الأعذار، وقد قيل قديماً: سوء الظن من حسن الفطن، وهذا قول باطل، بل حسن الظن من حسن الفطن، وسوء الظن من سوء العمل وخبث السريرة.

 

أيها الأحبة، ديننا دين البينة والدليل، وليس دين الأوهام والظنون، قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فلا يحق لك أن تتهم أحداً دون بينة واضحة كالشمس، ولا يحق لك أن تحكم على نية أحد، فالنيات لا يعلمها إلا الله وحده، مهمتنا أن نحكم على الظاهر، ونترك السرائر لرب السرائر.

 

قبل أن تطلق لسانك في أعراض الناس، تذكر أن لك عرضاً، وقبل أن تتهم أحداً بالباطل، تذكر أن لك يوماً ستقف فيه بين يدي الله وحدك، وستسأل عن كل كلمة قلتها، وكل اتهام رميت به بريئاً، قال تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، فكل كلمة محسوبة، وكل حرف مكتوب.

 

فلنتق الله في بعضنا البعض، ولنطهر قلوبنا من سوء الظن، وألسنتنا من الكذب والبهتان، وأعيننا من تتبع عورات المسلمين، ولنعلم أن الستر نعمة، وحسن الظن عبادة، وأن من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن فضح مسلماً بغير حق، فضحه الله على رؤوس الأشهاد.

 

اللهم طهر قلوبنا من النفاق والغل والحسد وسوء الظن، وألسنتنا من الكذب والبهتان، واجعلنا ممن يحسنون الظن بك وبعبادك، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

 

وتذكروا أخيراً أن كما تدين تدان، وأن الجزاء من جنس العمل، فمن اتهم الناس بالباطل، سخر الله له من يتهمه بالباطل ولو بعد حين، ومن أحسن الظن بالناس، أحسن الله إليه وستر عليه في الدنيا والآخرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى