محمد أحمد البشرى يكتب… اللجنة الوطنية الجامعة لتهيئة السلام المستدام في السودان!!

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة وطنية شاملة تهدد وحدة البلاد وتماسك مجتمعها ومستقبل دولتها. ومع تفاقم المعاناة الإنسانية واستنزاف مقدرات الوطن، تبرز الحاجة إلى مقاربة وطنية متكاملة تتجاوز وقف القتال إلى إرساء سلام مستدام، يحفظ للسودان وحدته وسيادته، ويعيد لشعبه حقه في الأمن والاستقرار.
في هذا السياق، تكتسب الجهود الوطنية الرامية إلى تهيئة المناخ للحوار السوداني–السوداني أهمية خاصة، وفي مقدمتها جهود لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني. فهي تمثل خطوة مهمة نحو توحيد الإرادة الوطنية وفتح قنوات التواصل بين السودانيين، وصولًا إلى حوار مسؤول يعالج الأزمة الراهنة، ويضع مصلحة الوطن فوق الخلافات السياسية والحسابات الضيقة.
وإذ نشيد بهذه الجهود، نؤكد أن نجاح الحوار الوطني يتطلب تضافر المبادرات وتكامل الأدوار، بما يربط تهيئة الحوار بمسارات عملية تعالج متطلبات وقف الحرب والترتيبات الأمنية وجذور النزاع وإعادة بناء الدولة. فالسلام المستدام مشروع وطني متكامل، لا تستطيع جهة واحدة النهوض بجميع متطلباته بمعزل عن سائر المكونات الوطنية والجهات المختصة.
من هنا، أقترح مبادرة لتشكيل اللجنة الوطنية الجامعة لتهيئة السلام المستدام في السودان، بوصفها إطارًا وطنيًا مساندًا ومكملًا للجهود القائمة، وفي مقدمتها جهود لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني، من دون ازدواجية في الاختصاصات أو تعارض في الأدوار. وتقوم المبادرة على الانتقال المنظم من تهيئة الحوار إلى بلورة مقترحات عملية تسهم في وقف الحرب، وتعزز فرص نجاح الحوار، وتربط مخرجاته بمتطلبات السلام المستدام وبناء الدولة.
إن وقف إطلاق النار، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان السلام. فالهدنة التي لا تستند إلى ترتيبات أمنية واضحة، وآليات للتحقق والرقابة، وضمانات للتنفيذ، تظل عرضة للانهيار. كما أن تجاهل الجذور السياسية والاجتماعية والاقتصادية للأزمة يجعل السلام هشًّا وقابلًا للانتكاس. لذلك، لا بد من تكامل المسارين العسكري والأمني مع المسارين السياسي والمدني، ضمن رؤية وطنية تحترم اختصاصات المؤسسات المعنية وتستند إلى الإرادة السودانية.
وتتمثل المهام المقترحة لهذا الإطار الوطني في تطوير تصورات عملية لوقف الحرب وحماية المدنيين، والإسهام في بلورة مقترحات للترتيبات العسكرية والأمنية بالتنسيق مع الجهات المختصة، ودعم الحوار السوداني الشامل، وتقديم رؤى لمعالجة جذور النزاع وتعزيز العدالة والمصالحة الوطنية. وتتكامل هذه المهام في خارطة طريق تربط وقف إطلاق النار بالتسوية السياسية وإعادة بناء الدولة.
ومن الضروري التمييز بين الاختصاصات العسكرية والسياسية. فالتفاصيل الفنية المتعلقة بوقف إطلاق النار ونزع السلاح والترتيبات الأمنية تستلزم مشاركة الجهات العسكرية المختصة، بينما تتطلب قضايا مستقبل الدولة وطبيعة الحكم والعلاقة بين المؤسسات العسكرية والمدنية وضمانات عدم تكرار الحرب حوارًا وطنيًا وسياسيًا ودستوريًا واسعًا. وعليه، تكمن قيمة المبادرة في الإسهام في تنسيق هذه المسارات وتعزيز تكاملها، لا في الحلول محل لجنة تهيئة الحوار أو المؤسسات القائمة أو الجهات صاحبة الاختصاص.
ولضمان نجاح هذا التصور، ينبغي أن يقوم على التكامل مع الجهود الوطنية الجارية، وأن تُحدَّد مهامه بالتشاور مع الجهات المعنية، بما يمنع تكرار الأدوار وتشتيت المبادرات. كما ينبغي أن يستند إلى الاستقلالية والكفاءة والتوافق الوطني، وأن يحترم سيادة السودان ووحدته، ويستفيد من الخبرات العسكرية والقانونية والسياسية والاقتصادية، مع تحديد جدول زمني واضح للعمل والنتائج المتوقعة.
وأقترح أن تبدأ المبادرة بطرح الفكرة للنقاش الوطني، والتواصل مع لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني والقوى السياسية والمدنية والشخصيات الوطنية والخبراء المختصين. ويهدف هذا التواصل إلى بحث أفضل السبل لتكامل الجهود، وتحديد الاحتياجات التي لم تغطها المسارات القائمة، وتقييم مدى الحاجة إلى إطار مساند يتولى مهام محددة في تهيئة



