(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب… العشرة ميثاق لا يباع وذمة لا تخاف!!

العشرة ليست أياماً نعدها، بل مواقف نحفظها. ليست كثرة لقاء، بل صدق بقاء. كلمة خفيفة في النطق، عظيمة في المعنى، من حفظها ارتفع، ومن ضيعها سقط، ولو التف حوله ألف صاحب.
ما العشرة؟ هي أن تأكل معه الملح فيصير بينكما عهد، وأن تعرف ضعفه فتستره، وتعرف عيبه فتصلحه لا تفضحه. هي أن تراه في فرحه وحزنه، في غضبه ورضاه، في عزه وفقره، فيبقى هو هو، وتبقى أنت أنت. ولذلك سميت معاشرة، لأنها تحتاج إلى عشرة وصبر، وإلى قلب يتسع.
أما العشرة الصادقة، فهي التي لا تقاس بطول السنين، بل بعمق المواقف. قد تعاشر رجلاً عشر سنوات فلا تجد عنده وفاء، وقد تعاشر رجلاً عشرة أيام فيريك من المروءة ما يعجز عنه أبناء السنين. هي حفظ في الغيبة قبل الحضرة، وعدل عند الخصومة، فالناس جميعاً أحباب عند الرضا، فإذا غضبت تكشفت المعادن. وهي عطاء بلا من، وثبات بلا تقلب، فلا تغيرها المناصب ولا تفسدها المطامع.
ثم نسأل أنفسنا، كيف هان علينا أن نخون العشرة؟
هانت لأننا نسينا الفضل، والله يقول: “ولا تنسوا الفضل بينكم”. نسينا اللقمة التي تقاسمناها، والكلمة الطيبة التي جبرتنا يوم انكسارنا، والستر الذي سترنا به يوم كنا عراة من الحيلة. وهانت لأن الأنا كبرت، فصار كل واحد يرى حقه وحده وكرامته وحده. وهانت لأننا أدخلنا الدنيا بيننا، مالاً ومقارنة وحسداً، وما دخلت الدنيا بين متحابين إلا أفسدتهما.
والموجع اليوم أننا صرنا نبيع عشرة عمر بثمن بخس، بمنشور في وسائل التواصل، بنميمة عابرة، بموقف غضب ساعة، بمصلحة صغيرة لا تدوم. وننسى أن من هانت عليه عشرة الأمس، ستهون عليه عشرة اليوم وغداً.
وقد قالها الشاعر عبد الماجد خليفة بكل وجع الصادقين في رائعته “عشرة الأيام” التي خلدها صوت عثمان حسين:
*عشرة الأيام ما بصِح تنساها*
*كأنه ما حبيتك وكأنه ما عشناها*
*وضمانا أحلى غرام*
*ليه فجأة دون أسباب من غير عتاب أو لوم*
*اخترت غيري صحاب وأصبحت قاسي ظلوم*
*هان ليك فراقي خلاص وانا برضي حولك أحوم*
*كان عهدي بيك ترعاني وأجمل صلاتنا تدوم*
*غاية المحبة سلام*
*بعدك أماني هواي ياما جنيتا عدم*
*ولا عرفت صديق لي قلبي غير الهم*
*ما كان فراقنا المر في نيتي أو في إيديا*
*لكن قيودك أبت قست ظروفي عليا*
*وريني إيه ضراك لو كان صبرت شوية*
*عمر السنين أيام*
فيا صاحب العشرة، اتق الله فيمن بينك وبينه مودة. إذا اختلفت فلا تفجر، وإذا غضبت فلا تهجر، وإذا زل فتذكر له أياماً من الخير. فإن العشرة دين، ولا يحفظ الدين إلا أصيل، ومن حفظ العشرة حفظه الله، ومن ضيعها ضيعه الله ولو كثر من حوله.
فاسأل نفسك: كم عشرة صنتها فرفعتك، وكم عشرة بعتها فأسقطتك؟



