مقالات الظهيرة

(آذان صاغية) التعاونيات في السودان… تجربة اقتصادية واجتماعية تستحق الإحياء!!

بقلم الدكتور عامر ابراهيم محمد المحامي

باحث في القانون الدولي الإنساني

التعاونيات ليست مجرد وسيلة لتوفير السلع، بل تجربة مجتمعية رسّخت قيم التكافل، وعزّزت روح المشاركة، وأسهمت في تخفيف أعباء المعيشة عن الأسر السودانية.

برزت فكرة الجمعيات التعاونية في السودان بصورة لافتة خلال سبعينيات القرن الماضي، استجابةً لحاجة المواطنين إلى توفير المواد الغذائية والسلع الأساسية بأسعار مناسبة، وفي أماكن قريبة من مساكنهم، خاصةً أن الأسواق في ذلك الوقت كانت بعيدة عن كثير من الأحياء، وكان الوصول إليها يتطلب وقتاً وتكاليف للمواصلات.

بدأت التجربة من خلال دكاكين التعاونيات الصغيرة، التي وفّرت احتياجات الأسر اليومية، اعتماداً على مساهمات الأعضاء ومبدأ الشراء الجماعي، بما يتيح الحصول على السلع بأسعار مناسبة، ويحدّ من الأعباء التي يتحملها المواطن.

من توفير السلع إلى الإنتاج

لم تقف الفكرة عند حدود بيع المواد الغذائية، بل اتسعت آفاقها لتشمل الجمعيات التعاونية الإنتاجية، التي يمكن أن تعمل في مجالات زراعة الخضروات، وتربية الماشية وإنتاج اللحوم الحمراء، وتربية الدواجن وإنتاج اللحوم البيضاء والبيض، والاستزراع السمكي، وإنتاج الزيوت وغيرها من الأنشطة الزراعية والصناعية.

وهكذا تحوّل مفهوم التعاون من مجرد وسيلة لتوفير السلع الاستهلاكية إلى مشروع اقتصادي متكامل، يجمع بين الإنتاج والتسويق والتوزيع، ويتيح للمواطنين المشاركة في النشاط الاقتصادي من خلال مساهمات تتناسب مع قدراتهم.

التعاونيات ومواجهة الأزمات المعيشية

أثبتت التجربة التعاونية، في حدود إمكاناتها وظروف عملها، أهمية التنظيم الجماعي في مواجهة صعوبات الحصول على السلع الأساسية، والمساهمة في تخفيف آثار الندرة وارتفاع الأسعار. كما يمكن للتعاونيات، عندما تتوافر لها الإدارة الرشيدة والرقابة الفاعلة، أن تحدّ من فرص الاحتكار والمضاربة والتخزين بغرض إعادة البيع بأسعار مرتفعة.

وتكمن أهمية هذه التجربة في أن المواطن لا يكون مجرد مستهلك ينتظر ما تعرضه الأسواق، بل يصبح شريكاً في توفير احتياجاته، ومراقبة الأسعار، والمساهمة في إدارة الموارد المشتركة. وهذا ما يجعل التعاونيات إحدى الوسائل الممكنة لتعزيز الأمن الغذائي وتخفيف أعباء المعيشة، خاصةً في الأحياء الشعبية والمناطق الريفية.

مدرسة اجتماعية لتطوير العمل العام

لم تكن التعاونيات محالاً تجارية فحسب، بل شكّلت أيضاً ملتقيات اجتماعية أتاحت للمواطنين فرصاً للتعارف والتشاور وتبادل الخبرات. ومن خلال المشاركة في الاجتماعات ومتابعة الحسابات وتنظيم المشتريات وتوزيع المسؤوليات، اكتسب كثير من الأعضاء خبرات عملية في الإدارة والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.

كما أسهمت هذه التجربة في ترسيخ مفاهيم المشاركة الشعبية، والشفافية، والمحاسبة، واحترام المال المشترك، وهي قيم تتجاوز النشاط الاقتصادي لتصبح أساساً لتطوير العمل العام وخدمة المجتمع.

فالتعاونية الناجحة لا تكتفي بتوفير السلع، وإنما تدرّب أعضاءها على اتخاذ القرار، وتعلّمهم أن المصلحة المشتركة لا تتحقق إلا بالتعاون والانضباط والثقة المتبادلة.

إحياء التجربة ضرورة اقتصادية واجتماعية

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودان، وما ترتب على الحرب من تراجع الإنتاج وتعطّل الأسواق وتزايد أعباء المعيشة والنزوح، تبرز الحاجة إلى التفكير في إحياء التعاونيات وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.

ويمكن أن يبدأ ذلك بإعادة تنظيم الجمعيات التعاونية في الأحياء والقرى، وتشجيع المواطنين على المساهمة فيها، وربط الجمعيات الاستهلاكية بالمزارعين والمنتجين المحليين، وإنشاء منافذ مباشرة لتسويق المنتجات، بما يقلل حلقات الوساطة ويقرّب المنتج من المستهلك.

غير أن نجاح هذه التجربة يتطلب إدارة مؤهلة، وحسابات واضحة، ورقابة مستقلة، وتداولاً للمسؤوليات، وحماية أموال الأعضاء من سوء الإدارة، إلى جانب توفير التمويل والتدريب والدعم الفني. فالتعاونيات لا تنجح بمجرد رفع شعار التعاون، وإنما بالالتزام بمبادئه وتحويله إلى ممارسة يومية.

إن تجربة التعاونيات في السودان تمثل رصيداً اقتصادياً واجتماعياً يمكن البناء عليه، لا مجرد ذكرى من الماضي. فقد حملت فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في مضمونها: أن اجتماع الجهود الصغيرة قادر على تحقيق منافع كبيرة، وأن المواطن يستطيع أن يكون جزءاً من الحل عندما تتاح له فرصة المشاركة والتنظيم.

إن إحياء التعاونيات وتطويرها يمكن أن يكون خطوة عملية نحو تخفيف أعباء المعيشة، ودعم الإنتاج المحلي، وتعزيز التكافل الاجتماعي، وإعادة بناء الثقة والعمل الجماعي. فالأوطان لا تُبنى بجهود الحكومات وحدها، وإنما أيضاً بمبادرات المواطنين، وبقدرتهم على تحويل التعاون من قيمة أخلاقية إلى مشروع اقتصادي يخدم الجميع.

آذان صاغية… لأن قضايا الناس تستحق أن نُصغي إليها، وأن نبحث لها عن حلول واقعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى