مقالات الظهيرة

(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب… الجمعة.. تذكرة باليوم الآخر!!

الحمد لله الذي جعل يوم الجمعة عيداً للأيام، وموعداً للذكر والقيام، وجعل فيه ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه.

 

أيها الأحبة.. إذا كان يوم الجمعة هو خير يوم طلعت عليه الشمس، فيه خُلق آدم وفيه أُدخل الجنة وفيه أُخرج منها وفيه تقوم الساعة، فإن فيه من العبر ما يوقظ القلوب من غفلتها، ويذكرها بمصيرها المحتوم.

 

حين أنكر المشركون اليومَ الآخرَ وارتابوا فيه وقالوا: “أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم لمخرجون، هيهات هيهات لما توعدون، إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين”، رد اللهُ تعالى عليهم، وكشفَ ضلالَهم، وأقام عليهم الحُجةَ بمجيء اليوم الآخر، وبيَّن الحكمةَ منه، فقال سبحانه: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون”، وعاب سبحانهُ عليهم نسيانَهم له، وجازاهم على ذلك بنسيانِه لهم، ودخولِهم النار، وفَقدِهم النصير، فقال: “اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين”.

 

وبيّن أن اليوم الآخِر: يومٌ له في رُوْح العبدِ رَوْع، وفي جَوانحه منه رَهبة، هو يومُ التَّناد، يومُ الحَسرة، يومُ التغابُن، يومَ يقومُ الناسُ لرب العالمين، يومَ يُبعثَرُ ما في القبور، ويُحصَّلُ ما في الصدور، يومَ تُزلزَلُ الأرضُ زِلزالَها، وتُخرِجُ الأرضُ أثقالَها.

 

إن اجتماع الناس كل جمعة في المساجد للصلاة والخطبة إنما هو صورةٌ مصغرةٌ من يوم الحشر، حين يجتمع الخلق جميعاً لرب العالمين حفاةً عراةً لا ينفعهم يومئذٍ إلا عملهم الصالح. فكما ينصت المسلمون اليوم لنداء الجمعة ويتركون البيع والشراء ويقبلون على ذكر الله، كذلك سينادى الناس يوم القيامة للعرض على الله، فلا أنساب ولا جاه ولا مال، وإنما العمل والميزان. فالجمعة تذكيرٌ أسبوعي بأن هناك يوماً عظيماً سنقف فيه جميعاً بين يدي الله للحساب.

 

ذلك اليوم العظيم الذي قال الله عنه: “يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد”. الولدان، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وتُبعثر القبور، ويُسأل العبد عن عمره فيما أفناه، وعن علمه به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. فمن استعد لذلك اليوم بطاعة الله، وجدها نوراً يسعى بين يديه، ومن فرط وتوانى، ندم يوم لا ينفع الندم.

 

لقد كان من مَهامِّ الرُّسُلِ عليهم السلامُ مع أقوامهم دعوتُهم إلى الإيمان باليوم الآخِرِ، وبيانُ أحوالِه وأهوالِه؛ ذلك أنَّ تذكُّرَه أمارةُ خير وهُدى، والغفلةَ عنه نذيرُ سوء ورَدى

 

إنَّ الإيمانَ باليوم الآخِرِ وأهوالِه وأحوالِه يُورِثُ العبد صلاحًا في عملِه، وزَكاءً في نفْسِه، واستقامةً في سيرته، فلا يَرتكِبُ المحرمات، ولا يُقارِفُ الموبقات، ولا يُفرِّطُ في سعادته الأبدية الأُخروية، ويستبدلُ بها أدنى ما يكون من لَذَّة، مما هي سَحابةُ صَيفْ، أو خَيالُ طَيفْ، إنَّ الدنيا في إدبار، والآخرةَ في إقبال، وإنَّ أسْمى غايةٍ يَطمَحُ إليها المؤمن أن يَثقُلَ في اليومِ الآخِرِ ميزانُه، وحينها تُزَفُّ له البُشرى، ويَحْمَدُ السُّرى، ثم المصيرُ إلى دار الخُلْدِ والنعيم، بِمِنَّةِ الجوادِ البرِّ الكريم.

 

فيا عبد الله، لا تجعل جمعتك تمر كسائر الأيام دون أثر. اغتسل، وتطيب، وتوجه إلى المسجد مبكراً، وأكثر من الصلاة على النبي ﷺ واقرأ سورة الكهف، وادعُ الله أن يثبت قلبك ويحسن خاتمتك. وتذكر دائماً أن هذه الجمعة هي فرصة، قد تكون الأخيرة، فاغتنمها قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة إلا بإذن الله، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وارزقنا الاستعداد ليوم القيامة، واجعلنا من الآمنين يوم الفزع الأكبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى