مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… تكاليف كباشي وجابر… هل تكفي لانتشال الاقتصاد؟

التدهور الأخير في سعر صرف الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية لم يعد مجرد رقم في نشرات الصرافات، وإنما أصبح واقعاً يطرق أبواب كل بيت، وأدى إلى موجة غلاء أضعفت القوة الشرائية وأثقلت كاهل شرائح واسعة من السودانيين.

 

أمام هذا الوضع تحركت الدولة، فتم تكليف الفريق أول ركن شمس الدين كباشي بمتابعة ملف النفط والطاقة، وتكليف الفريق إبراهيم جابر بمتابعة الملف الاقتصادي.

 

وجود الرجلين، بما يملكانه من نفوذ وقدرة على تحريك أجهزة الدولة، يمكن أن يكون له مردود إيجابي، ولكن يبقى السؤال الأهم:

 

هل ستتغير السياسات والأدوات، أم ستبقى السياسات كما هي وننتظر نتائج مختلفة؟

 

الاقتصاد لا ينتعش بمجرد تغيير المسؤول عن الملف، وإنما بتغيير طريقة إدارة الملف نفسها، ووضع أهداف واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، ومحاسبة المسؤول عن التنفيذ.

 

وفي الملف الخارجي، ما زالت الحكومة بحاجة إلى تحرك أكثر فاعلية لاستقطاب تمويل أو وديعة أو تسهيلات ائتمانية تساعد في تخفيف الضغط على سوق الصرف وتمويل السلع الاستراتيجية.

 

وهنا لا بد من الانتقال من انتظار المساعدات إلى عرض شراكات اقتصادية حقيقية على الدول الصديقة، تقوم على مشروعات محددة وضمانات واضحة وآليات معلنة للسداد.

 

أما الذهب، فهو قصة أخرى.

 

لن نمل الحديث عن هذا المورد الذي يمكن أن يكون أحد أسرع مفاتيح التعافي إذا أحسنّا إدارته. وإذا استعان الفريق إبراهيم جابر بالأمن الاقتصادي لسد منافذ التهريب، وفي الوقت نفسه أصلح سياسات التعدين الأهلي، وقدم للمعدنين الحوافز والخدمات التي تجعل البيع للدولة أو عبر القنوات الرسمية أكثر جدوى من التهريب، فإن العائد يمكن أن يظهر بصورة أسرع مما نتوقع.

 

والأمر نفسه ينطبق على النفط والطاقة.

 

كل برميل نفط إضافي، وكل كيلو ذهب يدخل القنوات الرسمية، وكل دولار من الصادر يعود إلى البلاد، يجب أن يكون جزءاً من خطة واحدة لإنقاذ الاقتصاد، وليس مجرد ملفات منفصلة.

 

المطلوب الآن ليس مزيداً من الاجتماعات واللجان والتكليفات، وإنما خطة اقتصادية واضحة: ماذا نريد خلال ثلاثة أشهر؟ ماذا نريد خلال عام؟ وكيف نقيس النجاح؟

 

نحتاج إلى أرقام مستهدفة لسعر الصرف، وحجم الصادرات، وحصيلة الذهب الرسمية، وإيرادات النفط، وتوفير الوقود، وتمويل السلع الاستراتيجية، وتقليص الفجوة بين الصادرات والواردات.

 

فالتكليف وحده لا يصنع التعافي، والأسماء وحدها لا تغير المعادلات.

 

نريد تغييراً في السياسات، وإغلاقاً لمنافذ الهدر والتهريب، وفتحاً لمنافذ الإنتاج والاستثمار والتصدير.

 

وفي النهاية، فإن وضع الخطط الصحيحة هو الخطوة الأولى، لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما نتمسك بها، نقيس نتائجها، ونصحح أخطاءها قبل أن يدفع المواطن ثمنها من قوته ولقمة عيشه.

 

الاقتصاد لا ينتظر… والوقت الذي يضيع اليوم قد يتحول غداً إلى فاتورة أكبر على الدولة والمواطن معاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى