مقالات الظهيرة

عرش سيكافا تحت أقدام الفرسان: إرادة تُطوّع المحال وتصنع المجد من رحم المعاناة

تُمثّل بطولة “سيكافا” (CECAFA)—وهي الاسم المختصر لاتحاد جمعيات شرق ووسط إفريقيا لكرة القدم—أعرق الإطارات الكروية الإقليمية التي تتبارى تحت مظلتها دول المنطقة لقياس الكفاءة واعتلاء منصات التتويج. وفي هذا المحفل العتيد، لم يكن اعتلاء منتخب الشباب السوداني منصة الذهب حصد اللقب الكروي صدفة ، وإنما كان وثيقة استحقاق تاريخية تُعلن للعالم أن الجغرافيا المقاتلة قادرة على إنتاج الفرح، وأن الهوية السودانية عصية على المحو والتهميش.

يتنزل هذا التتويج المستحق في لحظة فارقة ليكون امتداداً عضدياً للبطولات التي تسطرها القوات المسلحة السودانية في معركة الكرامة ؛ فبينما يذود الأبطال عن سيادة الأرض ضد المؤامرات والتكالب الخارجي، يبتدر الفرسان الصغار جبهة جديدة للسيادة الرياضية، ليصرعوا ظروف الحرب، ويصرعوا معها دولاً تنعم بالاستقرار والترتيب، معلنين أن عزيمة الإنسان السوداني هي المتغير الثابت الذي لا تكسره الأزمات.

وفي تقديري قد تجاوزت هذه الملحمة المستديرة حدود المستطيل الأخضر لتصطدم بوجدان الراهن الوطني عبر أبعاد محورية؛ ففي الوقت الذي تتصاعد فيه حرب خفية تستهدف هذه الشريحة الشبابية الحية عبر آفات المخدرات لتكبيل طاقاتها وتغييب وعيها، يقدم هذا الفوز الرد القاطع بأن الروح السودانية ولادة بالفخر، وأن الشاب المتعافي هو الحصن المنيع أمام أوهام التدمير الناعم. كما يرسل هذا التتويج رسالة صريحة بأن الحرب، رغم قسوتها، لم تكن يوماً كابحاً لزحف العطاء السوداني، ولن تحول دون إثبات الذات في أي محفل دولي أو إقليمي.

إن قراءة هذا النصيب الكروي تتعدى الاحتفاء اللحظي به لتضع الدولة السودانية أمام حقيقة واحدة: إن كانت ثمة مراهنة جادة على معركة البناء المرتقبة وإعادة التأسيس، فإن هؤلاء الشباب هم حصان الرهان الأوحد، والساعد الذي سيعيد تشكيل وجه الوطن. لقد حفر هؤلاء الفتية بالإرادة ما عجزت عنه الإمكانيات.

مؤكدين أن الأمة التي يرفع جنودها السلاح دفاعاً عن شرفها، وينتصر شبابها في الميادين رفعاً لرايتها، هي أمة متجذرة في خلودها، لا تطفئ جذوتها الخطوب ولا تنال من كبريائها السنون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى