لماذا الآن؟؟؟ قراءة في جيوبوليتيكا توقيت الحوار السوداني-السوداني

سلسلة مقالات :تشريح لحظة الوطن
قراءات إستراتيجية
المقال الثانى :
بقلم الدكتور/ محمد عوض محمد متولى.
المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات.
سبتمبر 2026م.
______________
السؤال الذي يتجاوز كل الأسئلة، والذي يتردد في الغرف المغلقة قبل الميادين المفتوحة، هو سؤال التوقيت. لماذا الآن؟؟؟
لماذا يعود الحديث عن (الحوار السوداني-السوداني) بقوة في هذه اللحظة والتوقيت تحديداً، وبعد كل هذا الخراب، وبعد كل هذا الإستنزاف؟؟؟ هل هو وليد قناعة داخلية بضرورة التوافق، أم هو نتاج ضغوط خارجية بلغت مداها؟ هل هو خيار إستراتيجي، أم هو تكتيك مرحلي لالتقاط الأنفاس لأعداء السودان ؟؟؟
إن الإجابة لا يمكن أن تكون أحادية، لأن التوقيت في السياسة ليس صدفة. التوقيت هو نتاج تقاطع ثلاثة مسارات: مسار داخلي بلغ نقطة الإنهاك، ومسار إقليمي أعاد ترتيب أولوياته، ومسار دولي يبحث عن مخرج بتكلفة أقل.
على المستوى الداخلي، لقد وصلنا إلى لحظة أثبتت فيها الحرب عجزها عن إنتاج منتصر. فالمعادلة العسكرية وصلت إلى حالة من التوازن السلبي المكلف، حيث لا أحد قادر على الحسم، والجميع قادر على الإضرار. وفي الاقتصاد، دخلت الدولة مرحلة الانهاك الشامل. الموارد تتناقص، والقدرة على تمويل الصراع تتآكل، والشارع الذي كان وقوداً للحرب صار يبحث عن وقود الخبز. هنا يصبح الحوار ليس ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة بقاء.
على المستوى الإقليمي، تغيرت الخارطة. القوى التي كانت ترى في إستمرار الصراع ورقة ضغط، وجدت نفسها أمام استحقاقات أكبر. أمن البحر الأحمر، ملف اللاجئين، خطر التمدد المتطرف، كلها ملفات صارت تفرض منطق “إدارة الأزمة” بدلاً من “تأجيج الأزمة”. الإقليم لم يعد يحتمل سوداناً مفتوحاً على كل الاحتمالات، فبدأ يبحث عن صيغة إستقرار حتى وإن كانت هشة.
أما على المستوى الدولي، فإن العالم مشغول بحرائق أخرى. وأوكرانيا وإيران (حرب الخليج) وغزة وتايوان استنزفت رأس المال السياسي والدبلوماسي. لم يعد المجتمع الدولي مستعداً لتمويل حرب طويلة في السودان، ولا لتحمل تبعات إنهياره. ولذلك فإن شعار “الحل السوداني بأيدي سودانية” لم يعد شعاراً دبلوماسياً، بل صار تكليفاً. تكليفاً يعني: تصرفوا وتوافقوا، لأننا لن ندفع فاتورة فشلكم.
من هنا نفهم لماذا “الآن”. لأن الاستمرار في الحرب صار أكثر كلفة من تكلفة الجلوس. ولأن الخارج لم يعد يريد أن يكون طرفاً، بل يريد أن يكون ضامناً. ولأن الداخل لم يعد يملك رفاهية الرفض المطلق.
لكن احذروا. التوقيت الذي يفرضه الانهاك يختلف عن التوقيت الذي تفرضه الرؤية. توقيت الإنهاك ينتج هدنة، وتوقيت الرؤية ينتج دولة. والسؤال الحقيقى ليس لماذا الآن فقط؟؟؟ ، بل ما الذي نريد أن نفعله بهذا “الآن”؟؟؟
هل سنضيع هذه النافذة في مناورات تكتيكية، أم سنستخدمها لفتح الباب أمام عقد سياسي جديد؟؟؟
إن خطورة هذه اللحظة أنها قد تكون الأخيرة. فإذا فشل هذا الحوار، فلن يكون الفشل مجرد فشل جولة تفاوض. سيكون إعلاناً بأن النخبة السودانية عجزت حتى في لحظة الإنهاك عن الاتفاق، وبأن السودان قد دخل فعلياً في نفق الدول الفاشلة بلا عودة.
لذلك فإن “الآن” ليس دعوة للإستعجال، بل هو دعوة للدقة. الدقة في إختيار من يجلس، والدقة في تحديد ما الذي نجلس من أجله، والدقة في صياغة الضمانات التي تحول الإتفاق من حبر على ورق إلى واقع على الأرض.
إن جيوبوليتيكا التوقيت تقول لنا شيئاً واحداً: النافذة مفتوحة، ولكنها ضيقة. والعالم يراقب، والإقليم يضغط، والشعب ينتظر. فإما أن نعبر منها إلى مشروع وطن، أو تغلق في وجوهنا لعقد قادم.
“والله ولى ذلك وهو يهدى إلى سواء السبيل”



