مقالات الظهيرة

(مدار الفهم) فهمي إبراهيم يكتب… بلقيس كشفت ساقها مرة… والموضة كشفت كل شيء!

ملكة سبأ كشفت عن ساقيها مرة واحدة، وفي لحظة انبهار عفوية، فظل المشهد يُتلى إلى يوم القيامة. أما اليوم، فبعض بناتنا كشفن عن كل شيء تقريباً، ثم غضبن لأن الناس «يتدخلون في خصوصياتهن»!

*خصوصية شنو يا أختي؟*

إنتِ عاملة بثاً مباشراً للشارع كله، وبعد دايرة خصوصية؟

 

*إلى أين نحن ذاهبون؟*

 

بلقيس لم تكن امرأة تبحث عن كاميرا، ولا عن «لايك» ولا عن لقب مؤثرة. كانت ملكة تدير دولة، وتحمل هم شعب، وتتخذ قرار الحرب والسلام. جاءت إلى سليمان بعقلها لا بجسدها، وبرأيها لا برموشها، وبموقف سياسي لا بعرضٍ أخلاقي. وحين دخلت الصرح ورأته حسبته لجةً من ماء، *﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾*

بحركة عفوية، لأنها لم تكن تعرف أن تحت قدميها صرحاً ممرداً من قوارير.

 

ثم قيل لها الحقيقة، فلم تكابر، ولم تبحث عن مبرر، ولم تقل: «دي حريتي الشخصية!» بل أدركت الحق وقالت: **﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾**.

 

**كشفت عن ساقيها لحظة… لكنها فتحت قلبها للحق بقية عمرها.**

 

أما مفارقة زماننا، فإن بعض نسائنا لا يكشفن لأنهن حسبن الأرض ماءً، بل لأنهن حسبن التقليد حضارة، والموضة عقلاً، والتعري حرية!

 

*تسأل إحداهن: لماذا هذا اللباس؟*

 

فتجيبك بثقة العالم الكبير:

 

**«موضة!»**

 

يا سلام!

 

وكأن كلمة «موضة» أصبحت فتوى، وقانوناً، ودستوراً، وشهادة إعفاء من استخدام العقل!

 

المشكلة ليست في قطعة قماش زادت أو نقصت، فالقضية أعمق من ساقٍ مكشوفة أو فستان قصير. القضية هي: **من الذي يفكر بدلاً عنا؟ ومن أقنع المرأة أن قيمتها تقل كلما زاد سترها، وتزداد كلما قلّ لباسها؟**

 

من أقنعها أن الحياء تخلف، وأن الاحتشام عقدة، وأن الأنوثة لا تكتمل إلا إذا كانت معروضة أمام الجميع؟

 

*بلقيس انبهرت بصرح سليمان، أما بنات عصرنا فقد انبهرن بالترند!*

 

بلقيس احتاجت إلى صرح عظيم حتى تكشف عن ساقيها، أما اليوم فلا صرح ولا ماء ولا سليمان… يكفي هاتف وكاميرا وإنترنت، ثم تبدأ رحلة «الثقة بالنفس» حتى يأتي تعليق: «يا قمر!» فتشعر المسكينة أنها حققت فتحاً حضارياً عظيماً!

 

لكن يا أختي، **مروق الدنيا ساهل… ومروق الجسم للناس ساهل… لكن صعب مروق الروح، يوم تلتف الساق بالساق، إلى ربك يومئذٍ المساق.**

 

تتزينين للدنيا، وهذا حقك، وتحبين الجمال، وهذا من الفطرة، وتبحثين عن الأناقة، فلا أحد يعادي الجمال. لكن السؤال: **هل أعددتِ للرحيل كما أعددتِ للخروج؟**

 

كم من ساعة نقضيها أمام المرآة، ولا نقف دقائق أمام أنفسنا؟ كم نهتم كيف سنبدو أمام الناس، ولا نسأل كيف سيكون موقفنا أمام الله؟

 

يومها لن تنفع الموضة، ولا الفلاتر، ولا الكاميرات، ولا المتابعون، ولا عبارة «أنا حرة»!

 

سينتهي العرض كله، ويبقى سؤال واحد:

 

**ماذا قدمتِ؟**

 

بلقيس كشفت عن ساقيها لأنها لم تعرف الحقيقة، فلما عرفتها رجعت إلى الحق. أما المأساة اليوم فهي أن نعرف، ثم نقلد، ونفهم، ثم نبرر، ونرى النهاية، ثم نواصل السير وكأن الموت إشاعة لن تصل إلينا!

 

لسنا ضد المرأة، بل ضد تحويلها إلى سلعة. ولسنا ضد الأناقة، بل ضد أن تصبح الأناقة حرباً على الحياء. ولسنا ضد الحرية، بل ضد أن تكون المرأة حرة في تقليد الآخرين وأسيرة لنظراتهم في الوقت نفسه.

 

**المرأة لا تصبح جميلة لأنها كشفت أكثر، ولا قوية لأنها قلّدت أكثر، ولا متحررة لأنها خلعت الحياء.**

 

جمالها في عقلها، وأناقتها في حضورها، وقوتها في شخصيتها، وأنوثتها لا تحتاج إلى إعلان في الشوارع والأسواق والشاشات.

 

*وفي النهاية…*

 

يا أختي، مروقك للدنيا ساهل، ومروق جسمك للناس أسهل، لكن يوم مروق الروح ما في كوافير، ولا فلاتر، ولا موضة، ولا متابعين!

 

يوم تلتف الساق بالساق، لن يسألك أحد: شنو كان الترند؟ ولا كم كان عندك لايك؟ ولا منو قال ليك يا قمر؟

 

*يومها السؤال ما عن كيف كان جسمك ظاهر للناس… بل كيف كانت روحك ظاهرة أمام الله!*

 

فيا من انبهرتِ بالموضة حتى خلعتِ الحياء…

 

*تذكري أن بلقيس كشفت عن ساقيها مرة لأنها ظنت الماء أمامها… أما أنتِ، فلا تكشفي كل يوم لأنك ظننتِ أن الموضة هي الحضارة!*

 

الدنيا ممر يا أختي… فلا تحوّلي جسمك إلى إعلان، ثم تكتشفي متأخرة أن الرحلة كانت أقصر من الفستان!

 

*﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ۝ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى