د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… الاقتصاد يحترق… وأنتم تتحاورون!

يا حكومة السودان…
هناك اقتصاد ينهار أمام أعينكم، ومواطن يزداد عجزاً عن تدبير أبسط احتياجاته، ومع ذلك يبدو أن الأولويات ما زالت في مكان آخر!
هناك أزمة في التحويلات، وشح في السيولة، وارتفاع في الأسعار، ومعاشات لا تكفي، وأسر تكافح لتوفير مصاريف المدارس والجامعات، وأدوية منقذة للحياة، ومياه وكهرباء ووقود.
كل ذلك يحدث لشعب خرج لتوه من حرب مدمرة، ويحتاج من حكومته قرارات إنقاذ لا بيانات تطمين!
أين حالة الطوارئ الاقتصادية؟
أين غرفة العمليات الاقتصادية؟
أين الاجتماعات المفتوحة حتى الفجر؟
أين الوزراء وهم يلاحقون الأرقام والأسواق والصادر والوارد والنقد الأجنبي؟
إذا كان جنودنا يقضون الليل والنهار في الخنادق دفاعاً عن الدولة، فلماذا لا يتخندق الوزراء في مكاتبهم دفاعاً عن اقتصاد الدولة؟
الوزير الذي لا يستطيع أن يعيش أزمة وزارته على الأرض، فكيف سيديرها من خلف المكتب؟
خذوا الزراعة مثلاً.
لماذا لا ينقل وزير الزراعة مكتبه إلى مشروع الجزيرة؟ لماذا لا يصبح القمح معركة قومية؟ لماذا لا نزرع أكبر مساحة ممكنة من القمح ونخفض فاتورة الاستيراد؟ لماذا لا تكون كل أجهزة الدولة الزراعية في حالة استنفار؟
ولماذا لا يذهب وزير الطاقة إلى السعودية ويجلس مع الأشقاء ويبحث عن صفقة استثنائية لتوفير الوقود لعام كامل، مقابل صادرات سودانية من الأنعام أو غيرها؟
ولماذا لا يجلس وزير المالية مع رجال الأعمال والمصارف والمصدرين والمستوردين ويقول لهم:
الدولة في أزمة… وأنتم جزء من الحل.
تسهيلات مقابل التزام.
هوامش أرباح مؤجلة.
ضمانات حكومية.
تمويل للصادر.
حوافز للإنتاج.
أي صيغة ممكنة تعيد الاقتصاد إلى الحياة.
هذا وقت الحلول خارج الصندوق، لا وقت تكرار الوصفات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.
ثم السؤال الذي لا يريد أحد أن يجيب عنه:
أين الصادر؟
وأين حصائله؟
وحتى إذا كانت الموارد قليلة بسبب الحرب، أين تذهب الحصائل القليلة؟
ثم نعود إلى الذهب…
يا سادة، لقد مللنا الحديث عن الذهب!
الشعب السوداني يرى ثروته تخرج من البلاد، ثم يسمع بعدها عن شح النقد الأجنبي وارتفاع الدولار وانهيار قيمة الجنيه!
أي مفارقة هذه؟
بل إن المواطن أصبح يشعر أن الذهب السوداني له طريق إلى الخارج أسرع من طريق الدواء إلى صيدليته!
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الكلام.
نحتاج إلى إدارة أزمة حقيقية.
نحتاج حكومة تتصرف وكأن الاقتصاد في حالة حرب، لأن الاقتصاد بالفعل في حالة حرب.
أما الحوار السياسي…
فيا جماعة الخير، الحوار ليس رغيف خبز.
والحوار لا يدفع رسوم الجامعة.
والحوار لا يشتري الدواء.
والحوار لا يوفر الوقود.
والحوار لا يعيد قيمة الجنيه.
الحوار مهم، نعم.
لكن لكل شيء وقته وأولوياته.
والآن أولوية الأولويات هي إنقاذ الاقتصاد.
فإذا انهار الاقتصاد، فلن تنفعنا كل موائد الحوار.
وإذا جاعت البطون، فلن يكون لدى الناس صبر لسماع الخطب السياسية.
وإذا فقد المواطن قدرته على توفير احتياجات أسرته، فإن الحديث عن المستقبل يصبح ترفاً لا يحتمله الحاضر.
لذلك نقولها للحكومة بلا مواربة:
أوقفوا الهدوء الإداري!
أعلنوا الطوارئ الاقتصادية!
افتحوا كل الملفات!
حاسبوا المقصر!
استدعوا أهل الخبرة!
استنفروا الإنتاج والصادر!
قاتلوا تهريب الذهب!
وأعيدوا المال إلى الدورة الاقتصادية!
فالجيش يخوض معركته في الخنادق…
فلا تجعلوا الاقتصاد يخوض معركته وحيداً.
تحركوا قبل أن يتحول الانهيار الاقتصادي إلى أزمة اجتماعية لا تستطيع أي حكومة السيطرة عليها.
الحوار يمكنه أن ينتظر…
أما الاقتصاد، فإذا انهار، فلن ينتظر أحداً.
والله المستعان.



