مقالات الظهيرة

(في ذات الإطار) مصطفى عمر مصطفى هاتريك يكتب… وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟… النفسية السودانية في مرآة ما بعد الحرب!!

ليست الحروب ما تخلّفه المدافع من خرابٍ فحسب؛ فثمة حروبٌ صامتة تندلع في أعماق النفوس، تترك في الضمائر شروخا لا تُرى، وفي العلاقات الإنسانية ندوباً لا تمحوها عودة الحياة إلى الشوارع والبيوت.

 

ولعلّ من إفرازات الحرب في مجتمعنا السوداني أن تطلّ علينا بعض الظواهر التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا: إنكار الجميل، واغتيال الشخصيات، واستشراء الأنانية؛ وكأنّ الحرب لم تكتفِ بتدمير المكان، بل امتدّت لتختبر ما تبقّى في الإنسان من فضيلة.

 

ما أقسى أن تمتدّ إليك يدٌ في ساعة العُسرة، ثم تُقابَل حين تنقشع الغمّة بالجحود! وما أشدّ مرارة أن تتحوّل الخصومة من اختلافٍ في الرأي إلى معولٍ يهدم السمعة، ويطعن في النزاهة، ويحوّل الإنسان إلى هدفٍ لوابلٍ من الشائعات والاتهامات. أمّا الأنانية، فهي ذلك الجوع الذي لا يشبع؛ إذ ينكفئ المرء على ذاته، فلا يرى من آلام الآخرين إلا ما يلامس مصلحته، ولا من مآسي المجتمع إلا ما يتيح له فرصةً للنجاة وحده.

 

أهي طبائع قديمة كشفت الحرب أقنعتها، أم جراحٌ غائرة أفرزتها صدمة ما بعدها؟ لعلّ الأمر مزيجٌ من هذا وذاك؛ فالحرب حين تُطيل مقامها في الروح، تُربك موازين الثقة، وتوقظ مخاوف البقاء، وقد تدفع بعض النفوس إلى الاحتماء بالمصلحة، ولو على حساب الوفاء، وإلى اغتيال الآخر معنوياً، خشية أن يتقدّم عليه أو يكشف عجزه.

 

لكنّ تفسير الظاهرة لا يعني تبريرها، كما أنّ الإشارة إليها لا تعني اتهام شعبٍ عُرف بالتكافل والمروءة. فما زال في السودان من يحفظ الودّ، ويصون العهد، ويقتسم كسرة الخبز مع غريبٍ لا يعرف اسمه؛ وما زال في هذا الوطن رصيدٌ من النبل يستحق أن نحرسه من التآكل.

 

إنّ أخطر ما قد تفعله الحرب بنا أن نخرج من خراب البيوت إلى خراب المعاني؛ أن نستردّ مفاتيح منازلنا ونفقد مفاتيح قلوبنا، وأن نعيد بناء الجدران فيما تتداعى جسور الثقة بيننا.

 

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة إعمارٍ من نوعٍ آخر: إعمار الضمائر، وترميم الثقة، واسترداد قيمة الوفاء، وتجريم الاغتيال المعنوي، وإحياء ثقافة الاعتراف بالفضل. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تبنيها نفوسٌ تعرف أن كرامة الآخر ليست خصمًا من كرامتها، وأن نجاحه ليس هزيمةً لها، وأن الاعتراف بجميله لا ينتقص من قدرها.

 

وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ليست الآية الكريمة مجرّد سؤالٍ بلاغي، بل ميزانٌ أخلاقي نحتاج أن نزن به علاقاتنا، ونراجع على ضوئه ضمائرنا.

 

فما جدوى أن ننتصر على خراب الحرب، إذا تركنا الحرب تنتصر على دواخلنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى