د. إسماعيل الحكيم يكتب… المستقبل السوداني ..من غياهب الشك إلى يقين النهضة!!

تُولد الأسئلة الكبرى من أرحام العواصف، والحروب لم تكن يوماً مآسٍ تُراق فيها الدماء وتتهدم بها البنى، ولكنها لحظاتُ مكاشفةٍ قاسية في عمقها الحضاري تخلع عن الشعوب أوهام الطمأنينة الزائفة. لقد أيقظت هذه الحرب في المخيلة السودانية قوقعات التنبؤ المجهدة، وهتكت الحجب عن واقعٍ طالما اغتصب فيه المألوف حقيقة الممكن؛ فكشفت الغطاء لمن كان منكفئاً على أفقٍ ضيق يتلخص في وظيفةٍ محدودة الدخل أو مصدر رزقٍ هشٍّ لا يصمد أمام الهزات.
وإن من أصلح سنن الكائنات في هذا الابتلاء المبطون، أن تنطوي أحشاء كل محنة على منحة، وأن يتخلق من رحم كل عسرٍ يسراً يسعى بالناس نحو نضج الاعتماد على الذات وتعديد خيارات العيش، بعد أن أدرك الجميع أن الأمان الاقتصادي لم يعد مفهوماً ثابتاً، إنما قدرة مستمرة على التكيف وإعادة الابتكار.
غير أن هذه الصحوة الذهنية تُصطدم اليوم بواقعٍ مثقلٍ بالتحديات؛ فشحّ الخدمات الأساسية، والعجز المتنامي عن إيفاء أدنى متطلبات الحياة، والتضارب الحاد في التصريحات والرؤى، كلها عوامل تلبس الغد غشاوةً من الغموض، وتترك المواطن يعيش في حيرةٍ بين أملٍ يبحث عن موطئ قدم، وخوفٍ يفرضه الواقع المشهود.
ولعل خطورة هذه اللحظة لا تكمن فقط في شح الموارد الحالية، ولكن في السكون الذي قد يفرضه الخوف على الإرادة، مما يجعل الخروج من هذا النفق يستدعي الانتقال السريع من مربع الفجيعة السلبية إلى مربع الفعل المقنع والمبادر.
إن تبديد غشاوة الغموض ورسم معالم المستقبل يتطلبان نسج رؤيةٍ متكاملة يتدفق فيها الاقتصاد كجسدٍ واحد لا ينفصل؛ تبدأ بإعادة الاعتبار للقطاع الزراعي باعتباره الهوية الاقتصادية الحقيقية والشريان الذي يغذي بقية الشرايين، وذلك بالانتقال به من نمطه التقليدي المجهد إلى آفاق التصنيع الزراعي الذي يضيف قيمة حقيقية للخيرات الوطنية ويوجد ملايين المنافذ الإنتاجية للشباب للخروجِ من أسر الوظيفة المحدودة إلى رحاب البذل والعطاء .
ويتوازى هذا التحول الزراعي الصناعي مع إعادة تنظيمٍ صارمة ومؤسسية لثروات التعدين، بتحديث التعدين الأهلي وتقنينه لحماية بيئته وأهله، وإخضاع التعدين الخاص والحكومي لشفافية مطلقة تجعل من الذهب نِعمةً ترفد الخزانة الوطنية لا نقمةً تفرّق أرباحها الفوضى.
هذا التدفق الإنتاجي لا يستقيم إلا بحاضنة مجتمعية تعي درس الأزمة، فتتجاوز ثقافة السلة الواحدة نحو تعددية المصادر وريادة الأعمال والتدريب المهني المستمر، لتتحول المجتمعات المحلية من متلقٍ ينتظر ما تجود به الدولة إلى مراكز إنتاج وصمود قادرة على تلبية حاجتها بنفسها.
إن رسم طريق المستقبل لا يحتاج إلى معجزات خارقة بقدر ما يحتاج إلى إرادةٍ صلبة تُحسن إدارة الموارد وتصهر الزراعة بالصناعة والتعدين بالإنسان في بوتقة واحدة، ليصبح الابتلاء دافعاً لبناء اقتصادٍ وطنيٍّ متماسك؛ فمتى ما تحولت المحنة إلى وعيٍ شامل وتخطيطٍ صادق، انجلت عتمة الغد، وغدا سودان المستقبل واقعاً يُبنى بالساعد والعقل، لا مجرد حلمٍ ننتظره خلف الغبار.



