عبد الرؤوف قرناص يكتب… الاتحاد الأفريقي… عندما يؤازرك الغريب ويخذُلك القريب!!

أحياناً يكشف لك الغريب قيمة الوطن أكثر مما يفعل بعض أبنائه!
الموقف الذي اتخذه الاتحاد الأفريقي دعماً لقيام الحوار السوداني ـ السوداني داخل السودان يستحق الإشادة، لأنه ببساطة موقف يحترم سيادة الدولة السودانية، ويحترم إرادة شعبها، ويضع الحوار في مكانه الطبيعي: داخل السودان، وبين السودانيين.
فالأرض سودانية، والحرب سودانية، والضحايا سودانيون، والمستقبل سوداني… فلماذا يريد البعض أن يكون الحل في الخارج؟
ومن أعطى هذه النخب حق مصادرة إرادة ملايين السودانيين الذين ظلوا داخل وطنهم وصبروا على الحرب، وتحملوا النزوح والجوع والخوف، ثم وجدوا في الحوار الداخلي طريقاً للخروج من هذه الكارثة؟
الأجزاء التي لا تزال خارج سيطرة الدولة في دارفور وكردفان تسيطر عليها مليشيات متمردة تمارس القتل والنهب والسلب، ولا تدير دولة ولا تتحمل مسؤوليات دولة، ولا تقدم خدمات للمواطنين.
فكيف يستقيم عقلاً وسياسة أن تُساوى الدولة بمليشيا متمردة عليها؟
وكيف يُقال إن هناك “طرفين متساويين” بينما هناك دولة لها مؤسساتها وجيشها وسفاراتها وممثلون لها في المنظمات الدولية، وفي المقابل مليشيا تحمل السلاح في وجه الدولة؟
هذه ليست مسألة تعاطف مع هذا الطرف أو ذاك؛ إنها مسألة سيادة دولة ومنطق دولة.
والأغرب من ذلك أن الذين يرفضون الحوار في الداخل يستطيعون ببساطة أن يعودوا إلى الخرطوم، وأن يجلسوا مع أبناء شعبهم، وأن يقولوا ما يريدون أمام السودانيين.
لكن يبدو أن بعضهم يفضل الحديث باسم الشعب السوداني من عواصم الخارج، على أن يستمع إلى الشعب السوداني في الداخل!
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً:
إذا كنتم تمثلون الشعب السوداني، فلماذا تخافون من الحوار أمام الشعب السوداني؟
وإذا كنتم أصحاب مشروع سياسي حقيقي، فلماذا تحتاجون إلى الخارج ليحمي موقفكم من الداخل؟
المؤسف أن بعض الأحزاب والكتل السياسية لم تكتفِ برفض حوار الداخل، بل ذهبت إلى مهاجمة الاتحاد الأفريقي ولومه لأنه وقف مع الحوار داخل السودان.
وهنا لا بد أن نقولها بوضوح:
أي انفصال هذا عن الواقع؟ وأي خصام هذا مع الوطن؟
لقد أصبح بعض السياسيين أكثر حرصاً على إرضاء الخارج من إرضاء قواعدهم، إن كانت لهم قواعد أصلاً.
فالحزب الذي يخشى الحوار مع شعبه، ويبحث عن الشرعية في الخارج، ويغضب عندما تُدعم إرادة السودانيين في الداخل، عليه أن يراجع نفسه قبل أن يطالب الشعب بمراجعته.
لقد سقطت الأقنعة.
فالسوداني الذي يعيش الحرب والنزوح والفقد، ويبحث عن مخرج لأسرته ووطنه، لا يحتاج إلى سياسي يجلس في فندق أجنبي ليشرح له كيف يجب أن يكون مستقبل بلاده.
السودانيون في الداخل ليسوا قُصّراً حتى يتحدث الآخرون نيابة عنهم، وليسوا بحاجة إلى أوصياء سياسيين من الخارج.
الحوار السوداني ـ السوداني ملك للسودانيين، ومكانه السودان، وقراره يجب أن يكون سودانياً.
والمفارقة التي تستحق التأمل أن الاتحاد الأفريقي، وهو مؤسسة قارية، فهم هذه الحقيقة، بينما عجز بعض أبناء السودان عن فهمها!
كل يوم يكتسب الحوار الداخلي قبولاً أكبر، وكل يوم تتضح الحاجة إليه أكثر، وكل يوم يتراجع رصيد الذين اختاروا الخارج بديلاً عن الداخل.
وهذا الحوار ليس من أجل توزيع المناصب، ولا من أجل إعادة تدوير النخب التي فشلت في إدارة السياسة السودانية لعقود، وإنما من أجل الأجيال القادمة التي تستحق وطناً مستقراً، ودولة قوية، ونظاماً سياسياً لا تُدار قراراته من خلف الحدود.
أما بعض النخب التي قررت أن تقاطع الحوار، ثم جلست على الرصيف تنتظر فشل الآخرين، فلا بأس…
فقد فعلوا بالسودان معروفاً لم يكونوا يقصدونه.
لقد غابوا عن حوار الداخل، فتركوا الساحة لمن يريد أن يعمل من أجل السودان، بدلاً من أن يظلوا شوكة في خاصرة كل مشروع وطني.
فالحمد لله الذي ثبّطهم عن الذهاب إلى الحوار، وجعلهم من القاعدين والمتخلفين عن ركب الحوار الوطني.
فقد يؤازرك الغريب لأن مصلحته أن يرى وطنك مستقراً… ويخذُلك القريب لأن مصلحته أن يظل وطنك مضطرباً حتى يجد لنفسه مكاناً على أنقاضه.
والتاريخ وحده سيقول في النهاية:
من وقف مع السودان… ومن وقف ضد السودان.



