مقالات الظهيرة

د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… الحوار الوطني السوداني.. آمال وطموحات!!

الثلاثين من اغسطس المنصرم ، اتجهت الأنظار إلى الحوار الوطني السوداني، وسط آمال كبيرة وطموحات مشروعة بأن يكون هذا الحوار محطة جديدة في مسيرة البحث عن السلام والاستقرار، وبناء دولة سودانية تتسع لجميع أبنائها.

فالسودان اليوم لا يحتاج إلى حوار من أجل الحوار، ولا إلى لقاء سياسي يضاف إلى سلسلة اللقاءات السابقة، وإنما يحتاج إلى حوار وطني حقيقي يضع مصلحة الوطن فوق مصالح الأفراد والجماعات، ويستمع إلى صوت المواطن الذي دفع ثمناً باهظاً للحرب والانقسام والتجاذبات السياسية.

إن قيمة الحوار لا تكمن في عدد المشاركين حول الطاولة، وإنما في قدرته على إنتاج توافق وطني قابل للتنفيذ، ومعالجة جذور الأزمة السودانية، وفتح الطريق أمام السلام، وعودة النازحين والمهجرين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ العدالة وسيادة القانون.

 

الحوار فرصة تاريخية

 

يمثل الحوار الوطني فرصة لإعادة بناء الثقة بين السودانيين، وهي مهمة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة.

والسودانيون، رغم اختلافاتهم السياسية والفكرية والاجتماعية، تجمعهم قواسم وطنية كبرى؛ في مقدمتها وحدة السودان، وسيادته، وأمنه، واستقراره، وحق أبنائه في الحياة الكريمة.

ومن هنا ينبغي أن يكون الحوار مساحة للاستماع قبل أن يكون مساحة للكلام، وللتوافق قبل المغالبة، وللتنازل المتبادل قبل التشدد في المواقف.

 

لا حوار بلا مشاركة واسعة

 

أحد أهم شروط نجاح الحوار هو اتساع قاعدة المشاركة، بحيث لا يشعر أي مكون سوداني بأنه مستبعد أو مهمش.

فالحوار الوطني الناجح لا ينبغي أن يكون حوار النخب وحدها، وإنما حوار المجتمع بكل مكوناته: القوى السياسية، والمجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والمرأة، والشباب، والأكاديميون، والمثقفون، والمهنيون، والنازحون، والمتضررون من الحرب، وكل أصحاب المصلحة في مستقبل السودان.

كما أن المشاركة لا تعني الاتفاق، وإنما تعني الاعتراف بحق الجميع في التعبير والاستماع المتبادل.

 

من الحوار إلى بناء الدولة

 

التحدي الحقيقي أمام الحوار ليس إصدار البيانات والوثائق، وإنما تحويل مخرجاته إلى برامج وسياسات ومؤسسات.

السودان يحتاج إلى مشروع وطني يتجاوز مرحلة إدارة الأزمات إلى إعادة بناء الدولة؛ دولة المؤسسات، والقانون، والعدالة، والمواطنة، والتنمية المتوازنة.

فالحرب كشفت هشاشة كثير من المؤسسات، وأكدت أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها، وإنما على الشرعية، والمؤسسات، والعدالة، والمشاركة الشعبية.

 

السلام أولاً

 

لا يمكن أن ينجح أي مشروع سياسي في ظل استمرار الحرب.

لذلك ينبغي أن يكون السلام أولوية أساسية للحوار، وأن يقترن بوقف معاناة المدنيين، وحماية الأرواح والممتلكات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، ومعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للحرب.

فالسلام ليس مجرد توقف صوت السلاح، بل هو مشروع لبناء الثقة وإعادة إعمار الإنسان والمكان والدولة.

 

السودان الذي نريده

 

السودان الذي ينتظره المواطن ليس سوداناً ينتصر فيه طرف على طرف، وإنما سودان ينتصر فيه الوطن.

سودان لا يُقصى فيه أحد بسبب انتمائه السياسي أو الجهوي أو الفكري، ولا تُختزل فيه الوطنية في جماعة أو حزب أو مؤسسة.

سودان تكون فيه الدولة ملكاً لجميع مواطنيها، وتكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات، ويكون فيه الاختلاف السياسي وسيلة للتنافس من أجل خدمة الوطن، لا سبباً للحرب والاقتتال.

إن الحوار الوطني القادم أمام اختبار تاريخي: هل يستطيع السودانيون أن يحولوا اختلافاتهم من مصدر للصراع إلى مصدر للتكامل؟

 

ذلك هو السؤال الأكبر.

 

وفي هذا السياق، فإن نجاح الحوار يتطلب إرادة سياسية صادقة، وشجاعة في الاعتراف بالأخطاء، واستعداداً لتقديم التنازلات، وضمانات حقيقية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

 

آمال وطموحات

 

نأمل أن يكون 30 أغسطس بداية لمسار جديد، لا مجرد تاريخ جديد في أجندة الحوارات السودانية.

نأمل أن يكون الحوار جسراً نحو السلام، ومنصة للمصالحة الوطنية، وبداية لإعادة بناء الثقة، وطريقاً نحو دولة المؤسسات والقانون.

ونأمل قبل كل ذلك أن يسمع المتحاورون صوت الشعب السوداني؛ صوت الأم التي فقدت ابنها، والطفل الذي حُرم من مدرسته، والنازح الذي ينتظر العودة إلى منزله، والعامل الذي يبحث عن مصدر رزقه، والشاب الذي يحلم بمستقبل أفضل.

فالشعوب لا تريد حوارات لا تنعكس على حياتها، وإنما تريد سلاماً وأمناً وعدالة وكرامة ومستقبلاً.

وفي النهاية، يبقى الحوار الحقيقي هو الذي يجعل السودان أكبر من الخلافات، والوطن أكبر من الأحزاب، والمواطن أكبر من الصراعات.

فهل يكون الحوار الوطني السوداني هذه المرة بداية حقيقية لعهد جديد؟

الأمل كبير، والطموحات أكبر، والمسؤولية التاريخية تقع على عاتق الجميع.

 

السودان أولاً.. والسودان للجميع.

 

 

whba938@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى