(دبابيس حارة) عثمان يونس يكتب…. الطموح الشخصي للإعلامي والصحفي بين التقدم والتقاعس في عصر التكنولوجيا (2)
نحن في عالمٍ لا ينتظر المترددين ، ولا يلتفت لمن يقفون على هامش التغيير ، يصبح الطموح الشخصي للإعلامي والصحفي هو الفاصل الحقيقي بين من يصنع الحدث ومن يكتفي بروايته بعد أن يبرد . لقد أشرنا في المقال السابق إلى أهمية التأهيل والتدريب ، لكن الحقيقة الأعمق أن التطوير لم يعد خيارا ، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة العصر وسرعة إيقاعه.
إن مواكبة الأحداث أولا بأول لم تعد مجرد مهارة مهنية، بل هي انعكاس مباشر لوعي الصحفي وقدرته على التفاعل مع الواقع. فالتأخر في نقل المعلومة أو تحليلها لم يعد يُغتفر في زمنٍ تتدفق فيه الأخبار عبر المنصات الرقمية بلا توقف. وهنا يظهر الفارق بين إعلامي يملك أدواته، وآخر تبتلعه موجة التقاعس والتردد.
ولعل أبرز ما يميز الصحفي الناجح اليوم هو قدرته على التحليل السليم ، لا الاكتفاء بالنقل المجرد . فالمعلومة وحدها لم تعد كافية ، بل تحتاج إلى عقلٍ يقرأ ما وراءها ، ويربط بين سياقاتها ، ويقدمها للقارئ بصورةٍ عميقة وواعية. هذا التحليل لا يأتي من فراغ، بل من تراكم معرفي ، واطلاع مستمر ، وانفتاح على مختلف المدارس الإعلامية والفكرية.
أما وسائل التواصل الحديثة ، فقد أصبحت ساحة مفتوحة للتنافس المهني ، لا مكان فيها للضعفاء أو المترددين . من لا يجيد التعامل مع هذه الوسائل، يفقد جزءا كبيرا من تأثيره، وربما يخرج من دائرة الضوء بالكامل. فالصحفي اليوم ليس فقط كاتبا أو ناقل خبر ، بل هو صانع محتوى، ومدير منصة، وصوت قادر على الوصول إلى الجمهور مباشرة دون وسيط.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الأدوات ، بل في الإرادة. فكم من إعلامي امتلك الفرص لكنه لم يستثمرها ، وكم من صحفي ظل أسيرا لأساليب تقليدية لم تعد تصلح لزمن يتغير كل لحظة . التقاعس هنا لا يعني التوقف، بل التراجع التدريجي حتى التلاشي.
إن الطموح الحقيقي هو ذلك الذي يدفع صاحبه إلى تجاوز حدوده باستمرار ، ومواجهة ضعفه قبل منافسيه ، والسعي الدائم لأن يكون في مقدمة الصفوف ، لا تابعا لها. هو إيمان داخلي بأن النجاح لا يمنح ، بل ينتزع بالاجتهاد والعمل والوعي.
في النهاية ، يبقى السؤال معلقا أمام كل إعلامي وصحفي هل أنت جزء من هذا التطور المتسارع، أم مجرد شاهد عليه؟ الإجابة لا تكتب بالكلمات، بل تثبتها الممارسة اليومية، والقدرة على البقاء في قلب المشهد، لا على أطرافه.



