ياسر محمد محمود البشر يكتب في (شوكة حوت)…قرار تخفيض العاملين بالدولة بين صحة المنهج وسؤ السلوك!!
*تترقب الأوساط السياسية والاقتصادية ببالغ القلق ما يدور خلف الكواليس حول مقترح تخفيض العاملين بالدولة السودانية وهو الملف الذي يثير عاصفة من التساؤلات الإجرائية والقانونية ولعل أولى الحقائق التى يجب إماطة اللثام عنها هى أن اتخاذ مثل هذا القرار المصيرى يقع حصرياً ضمن الصلاحيات السيادية لمجلس الوزراء مجتمعاً باعتباره السلطة التنفيذية العليا المعنية برسم السياسات العامة أما دور وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية فلا يتعدى كونه جهة فنية استشارية منوطاً بها إبداء الرأى الفنى والتحليلى للمقترح فقط دون أن يمتلك الوزير كمسؤول قطاعى أى حق
قانونى أو دستورى فى اتخاذ أو تمرير قرار بهذا الحجم ورغم أن المؤشرات الراهنة تؤكد أن القرار قد أصبح في حكم المجمد داخل أدراج الأمانة العامة لـمجلس الوزراء إلا أن مجرد التفكير فيه يطرح علامات استفهام كبرى حول آلية إدارة الأزمات فقبل الشروع في التلويح بقرارات تمس الهيكل الوظيفى للدولة كان من المفترض أخلاقياً وإدارياً إخضاع المقترح لدراسات معمقة وشاملة من النواحى
الاقتصادية والسياسية والنفسية إن غياب هذه الدراسات يوضح فجوة كبيرة في التخطيط حيث يتجاهل المقترح التداعيات الكارثية على الاستقرار المجتمعى والآثار النفسية المحبطة التي تنعكس سلباً على إنتاجية من يتبقى من موظفين تحت مقصلة التهديد الوظيفى*.
*وتتجلى خطورة هذا التوجه بشكل صادم عند النظر إلى لغة الأرقام الرسمية إذ يبلغ حجم القوى العاملة في المؤسسات الاتحادية ما يزيد عن ١٠٦ ألف عامل وموظف يتوزعون على مختلف الدرجات الوظيفية من القيادية وحتى العمالية وإذا ما تمت ترجمة نسب التخفيض المقترحة على أرض الواقع فإننا نتحدث عن تسريح وإلغاء ما يفوق الـ ٦٠ ألف وظيفة عامة
هذا الرقم لا يمثل مجرد خانات فى موازنة الدولة بل يعنى حرفياً دفع عشرات الآلاف من الأسر نحو حافة الفقر وإحداث خلل هائل في التوازن الديموغرافى والاجتماعي للبلاد وأمام هذه الأرقام المخيفة يقف السؤال الأهم والأكثر إلحاحاً فى وجه المخططين لهذا
القرار هل تستطيع وزارة المالية الإيفاء الفورى بصرف استحقاقات نهاية الخدمة والمعاشات لهذه الجيوش الجرارة من المُسرحين إن الواقع المالى المأزوم للموازنة العامة يؤكد أن الخزانة لن تطيق صبراً ولا قدرة على توفير هذه السيولة الضخمة دفعة واحدة وبالتالى فإن القرار لن يؤدى إلى خفض الإنفاق كما يظن البعض بل سيتسبب في تراكم ديون سيادية جديدة وعجز خانق يضرب استقرار العملة الوطنية والاقتصاد الكلى وعند العودة إلى سجلات التاريخ الإدارى الدولى نجد أن الحكمة تقتضى تقييم تجارب مشابهة لتسع دول خاضت غمار تخفيض العمالة
الحكومية تحت وطأة برامج الإصلاح الهيكلى وكانت النتيجة الفشل الذريع فالكثير من الدول الآسيوية والأفريقية التى تبنت هذه السياسات القاسية لم تحصد سوى انهيار الخدمات العامة وتفشى الفساد وارتفاع معدلات الجريمة ولم تفلح تلك الحكومات في إنقاذ اقتصادياتها بل تحولت أجهزتها الإدارية إلى هياكل مشلولة عاجزة عن تقديم أدنى الخدمات للمواطنين*.
*ولسنا بحاجة للذهاب بعيداً للبحث عن نماذج الفشل فالذاكرة الوطنية السودانية مثقلة بتجارب مريرة أبرزها تجربة الصالح العام الكارثية التى طبقت في عقود سابقة وتلتها حديثاً تجربة لجنة إزالة التمكين إن كلتا التجربتين لم تورثا الدولة إلا تصفية للكفاءات الوطنية وتشريداً للخبرات النادرة وإحلالاً للتمكين السياسى بدلاً من التأهيل المهنى والنتيجة الحتمية اليوم هى هذا الترهل الإدارى والضعف البنيوى الذي تشهده مؤسسات الخدمة المدنية والتى ما زالت تدفع ثمن تلك القرارات الارتجالية وبدلاً من هذه المغامرات غير محسوبة العواقب يتوجب على الدولة اللجوء إلى حلول مبتكرة وعادلة عبر طرح خيار المعاش المبكر الطوعى مدعوماً بحزمة تحفيزية حقيقية وسخية ويجب أن تتضمن هذه الحزمة صرف مرتبات خمس سنوات كاملة بشكل فورى كعلاوة تشجيعية بالإضافة إلى الصرف الكامل وغير المنقوص لجميع المستحقات المالية القانونية للموظف هذا الالتزام المالى يضمن للموظف تأمين معيشته خلال مرحلة الانتقال ويحول دون شعوره بالغبن أو التشريد القسرى*
*ولا ينبغي أن يتوقف التحفيز عند الدعم النقدى فحسب بل يجب على الدولة تمليك كل راغب في ترك الوظيفة العامة مشروعاً استثمارياً صغيراً أو متوسطاً مدعوماً بالتدريب والتسهيلات الجمركية والائتمانية إن هذا التوجه الاستراتيجى كفيل بتحويل الطاقة البشرية المعطلة في الدواوين الحكومية إلى قوة منتجة في السوق الحرة والمجالات الزراعية والصناعية والخدمية وبذلك يتحول العبء الوظيفى إلى رافد حقيقي يغذى الناتج المحلى الإجمالى ويخلق فرص عمل جديدة للشباب ومن خلال هذا البديل التنموى القائم على الطوعية والتحفيز ستكون
الدولة قد خرجت تماماً من “دائرة الحرج” السياسي والاجتماعي الداخلى وصانت السلم الأهلى والأهم من ذلك أن هذا المسار يحمى البلاد من الدخول في مشادة قانونية وصراعات قضائية دولية مع منظمة العمل الدولية (ILO) فتبنى المعاش المبكر الطوعى يحترم المواثيق والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الدولة ويؤكد التزامها بحقوق الإنسان وحق العمل الكريم بعيداً عن مقاصل الفصل التعسفى الشمولى*
نــــــــــــص شــــــــــــوكة
*ولدراسة قرار تخفيض العاملين فى ظل الظروف التى تعيشها فإنه من المتوقع أن يؤدى هذا القرار فى حال تطبيقه إلى إنضمام اعداد كبيرة من المفصولين لمليشيا الدعم السريع جراء الغبن الذى لحق بهم جراء إلغاء وظائفهم*.
ربــــــــــع شـــــــوكة
*قبل إتخاذ هذا القرار عليكم بالتريث فإنه قنبلة موقوتة*.
yassir.Mohammed@gmail.com



