عاشوراء السودان: معركة السيادة في زمن الحصار الناعم”…قراءة اقتصادية اجتماعية دبلوماسية في الحرب الراهنة والمشروع الخارجي ضد الدولة السودانية

الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
إن استحضار عاشوراء في سياق السودان الراهن ليس استدعاء لذكرى تاريخية جامدة، بل هو استنطاق لمنهج صراع يتكرر بصيغ جديدة تتجدد مع كل محاولة لكسر إرادة أمة. فعاشوراء كانت لحظة انكشاف كامل لمعادلة القوة حين تواجه الإرادة، ولحظة اختبار للدولة حين تُحاصر من الداخل والخارج معاً، ولحظة فرز بين من يقبض على مشروعه ومن يسلمه لغيره.
ومن هذا الباب يدخل التحليل ليفك ما يجري في السودان اليوم، لا بوصفه نزاعاً عابراً أو اضطراباً أمنياً محدوداً، بل بوصفه حلقة متقدمة في مشروع إقليمي ودولي يستهدف إعادة تشكيل موقع السودان الجيوسياسي والاقتصادي والاجتماعي قسراً، وانتزاع قراره السيادي من داخله.
إن الدكتور محمد عوض متولي، المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، ينطلق في مقاربته من فرضية مركزية تقول إن الحرب القائمة على السودان هي حرب مركبة الأبعاد، اقتصادية بامتياز في وسائلها، اجتماعية في مسارحها، دبلوماسية في غلافها الشرعي.
وسيادية في جوهرها الأخير. وهي حرب لا تطلب هزيمة جيش بقدر ما تطلب تفكيك الدولة من الداخل عبر استنزاف قدرتها على إنتاج القيمة وتوزيعها وحماية نسيجها الاجتماعي وإعادة إنتاج شرعيتها.
فالمعركة لم تعد معركة حدود، بل معركة مؤسسات، ومعركة وعي، ومعركة زمن.
على المستوى الاقتصادي، يرى الدكتور متولي أن الحرب الراهنة تستهدف البنية الإنتاجية للدولة السودانية استهدافاً ممنهجاً يقوم على منطق الشلل لا على منطق الاقتحام. فتعطيل سلاسل التوريد الداخلية، وتخريب المنشآت الاستراتيجية، وتهجير الكفاءات العلمية والفنية، وإفقار الريف المنتج.
وخلق اقتصاد ظل موازٍ خارج سلطة الدولة وخارج ميزانيتها، كل ذلك يشكل أدوات حرب اقتصادية غير متماثلة لا تظهر في تقارير المعارك ولكن آثارها تظهر في انهيار العملة، وتفك السوق، وهروب رأس المال. والهدف من ذلك ليس إفلاس الخزينة فحسب، بل إفقار الإرادة الوطنية. فالدولة التي تفقد قدرتها على دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية وتأمين حركة التجارة الداخلية، تدخل في حالة هشاشة مزمنة تجعلها قابلة للابتزاز الخارجي ولإعادة الصياغة وفق مصالح ليست سودانية.
وهنا تظهر خطورة المشروع الصهيوني تجاه السودان، بوصفه مشروعاً يسعى إلى تحويل السودان من دولة فاعلة في معادلة البحر الأحمر والساحل الإفريقي والعمق العربي والإفريقي إلى ساحة نفوذ مفتوحة، بلا قرار سيادي مستقل، وبلا عمق استراتيجي يحمي مصالحه القومية. إن هذا المشروع لا يعمل بالمواجهة المباشرة دائماً، بل يعمل عبر وكلاء اقتصاديين، وشركات واجهة، ومنصات إعلامية، ومراكز فكر تمول خطاب التفكيك وتشرعن التدخل تحت عناوين الحوكمة والإصلاح والانتقال، بينما الهدف الحقي هو نزع السيادة من يد الدولة ووضعها في يد شبكات مصالح عابرة للحدود.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن الحرب تمارس وظيفة تآكلية بطيئة للنسيج المجتمعي. إنها تفتت الروابط القبلية والمهنية والمدنية، وتعيد إنتاج الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وتزرع خطاب الضحية والعدو الداخلي بدلاً من خطاب المواطنة والمسؤولية المشتركة.
ويشير الدكتور متولي إلى أن أخطر ما في الحرب هو تحويل المواطن من منتج يملك مشروع حياة إلى متلقٍ للإغاثة، ومن صاحب قرار في بيته وشارعه إلى باحث عن حماية من أي جهة كانت. وهذه الحالة الاجتماعية إذا استمرت تخلق جيلاً فقد الثقة في الدولة وفي القانون وفي المستقبل، وهو ما يشكل أرضية خصبة للمشروعات الخارجية التي تبيع أوهام التدخل الإنساني مقابل التنازل عن السيادة. إن معركة عاشوراء السودان اليوم هي معركة الحفاظ على الذاكرة الاجتماعية الجامعة، وعلى قيمة الصبر الإنتاجي، وعلى فكرة أن الكرامة لا تُستورد بل تُبنى، وأن المجتمع لا يحيا بالمعونات بل بالعمل والمؤسسات.
وعلى المستوى الدبلوماسي والسياسي، فإن السودان يواجه حرب خطاب واعتراف قبل أن يواجه حرب بنادق. فهناك محاولة دولية منظمة لإعادة تعريف الصراع السوداني بوصفه صراعاً محلياً أو صراعاً على نفوذ داخلي.
مع تعمية متعمدة على البعد الاستراتيجي للموقع السوداني على البحر الأحمر، وعلى ثقله الديموغرافي، وعلى دوره المحوري في أمن الإقليم وغذائه وطاقته واتصاله. ويوضح الدكتور متولي أن المشروع الصهيوني في المنطقة يفهم أن السودان القوي المستقر هو عائق جيوسياسي، وأن السودان المنهك المفك هو ممر جيوسياسي يمكن استخدامه كورقة ضغط وتوازن. لذلك فإن أدوات الحرب تشمل فرض العزلة الدبلوماسية، وعرقلة الاندماج في التكتلات الإقليمية الفاعلة، وتأجيج خطاب العقوبات والتصنيفات.
وتشجيع التدخلات تحت ذرائع حقوقية وإنسانية. وفي المقابل، فإن الرد الدبلوماسي السوداني يجب أن يقوم على ثلاثة أعمدة متينة. العمود الأول هو عمود الشرعية الداخلية عبر استعادة تماسك القرار الوطني وتوحيد الخطاب السيادي. والعمود الثاني هو عمود التحالفات الذكية مع القوى التي تحترم سيادة الدول ولا تتعامل معها كأسواق نفوذ. والعمود الثالث هو عمود الرواية الوطنية التي تفضح أجندة التفكيك وتقدم نموذجاً سودانياً للاستقرار يمكن تصديره فكرياً وسياسياً.
منهجياً، يعتمد التحليل على مقاربة ثلاثية الأبعاد صارمة. البعد الأول هو بعد تشخيص القوة، وفيه يتم قياس حجم الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، وعدد المهجرين، وحجم تآكل رأس المال البشري، ومستوى فقدان الثقة المؤسية، ومؤشر انهيار الثقة بين المواطن والدولة.
البعد الثاني هو بعد تحليل الأدوات، وفيه يتم تفكيك شبكات التمويل الخارجي، وخطوط الإعلام الموجه، وآليات ضرب العملة وتجويع السوق، وأساليب تجنيد الوكلاء المحليين وتحويلهم إلى أدوات ضغط. البعد الثالث هو بعد بناء الصمود، وفيه يتم تصميم حزمة سياسات اقتصادية طارئة لحماية الإنتاج المحلي ودعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح المالية العامة، وإعادة ربط الاقتصاد بالريف المنتج، وحماية الكفاءات الوطنية، وصياغة خطاب اجتماعي جامع يستعيد فكرة الوطن بوصفه مشروع حياة لا ساحة صراع.
إن الدكتور متولي يرى أن عاشوراء السودان ليست لحظة انكسار، بل هي لحظة فرز تاريخي. فهي تفرز بين من يريد للسودان أن يكون دولة ذات قرار وذات مشروع وذات أفق، وبين من يريد له أن يكون ممراً مفتوحاً للمصالح الأجنبية. وهي تفرز بين خطاب البكاء على ما ضاع، وبين خطاب البناء على ما تبقى. والفرق بين الخطابين هو الفرق بين أن نكون موضوعاً في خرائط الآخرين، أو أن نكون فاعلين في رسم خرائطنا بأنفسنا. وهذا الفرز هو جوهر المعركة الفكرية اليوم.
وفي باب السيناريوهات المستقبلية، يقدم التحليل ثلاثة مسارات محتملة.
المسار الأول هو مسار الانهيار التدريجي، وفيه يستمر استنزاف المؤسسات، وتتوسع اقتصاديات الظل، وتفقد الدولة احتكارها للشرعية، ويتحول السودان إلى فضاء مفتوح للتدخلات، وتتعمق الهجرة، ويتآكل الجيل الجديد.
وهذا المسار هو هدف المشروع الخارجي لأنه يحول السودان إلى دولة عاجزة عن أن تكون فاعلاً إقليمياً. المسار الثاني هو مسار الجمود المكلف، وفيه تتوقف الحرب العسكرية دون أن تبدأ حرب التأسيس، فتبقى الدولة معلقة بين أزماتها، وتُدار بالمسكنات، وتفقد الزمن الاستراتيجي، ويظل السودان رهينة للمفاوضات والوصايا. وهذا المسار أخطر لأنه يمنح وهم الاستقرار دون أن يبني الدولة.
أما المسار الثالث فهو مسار التأسيس السيادي، وفيه تتحول الأزمة إلى طاقة مشروع. ويبدأ هذا المسار بقرار سيادي واحد يعلن أن السودان دخل مرحلة بناء المؤسسات المنتجة، وأن المعركة القادمة هي معركة الاقتصاد والوعي والرواية.
وفي هذا المسار يتم إطلاق حزمة إصلاحات اقتصادية طارئة تحمي الإنتاج، وبرنامج وطني لاحتفاظ بالعقول، ومركز رواية عالمي اللغة يخاطب العالم ويكشف مشروع التفكيك بالأرقام والوثائق.
ولإغلاق دائرة التحليل وتحويله إلى فعل، يؤكد الدكتور محمد عوض متولي أن السودان يحتاج اليوم إلى عتبة فعل سيادي لا يمكن تأجيلها.
وهذه العتبة تقوم على ثلاثة أركان متلازمة. الركن الأول هو ركن الإرادة المؤسسية، ويتمثل في إعلان ميثاق سيادي وطني يُوقع عليه رأس الدولة والقوى المدنية والمجتمع، ويكون عنوانه أن السيادة خط أحمر غير قابل للمساومة، وأن أي تدخل اقتصادي أو إعلامي أو أمني يجب أن يمر عبر بوابة الدولة ومؤسساتها فقط. الركن الثاني هو ركن الاقتصاد المقاوم، ويتمثل في أن المعركة القادمة هي معركة إنتاج لا استجداء.
وأن المطلوب فوراً هو قرارات تحمي الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتعيد ربط الريف بالمدينة عبر أسواق داخلية محمية، وتوقف نزيف الكفاءات ببرنامج وطني للعقل السوداني. الركن الثالث هو ركن الرواية والدبلوماسية، ويتمثل في إنشاء مركز رواية وطني يخاطب العالم بلغته، ويفضح مشروع التفكيك، ويقدم السودان بوصفه دولة مشروع لا دولة أزمة.
وخلاصة القول أن الحرب على السودان اليوم هي امتداد لمشروع أوسع يستهدف إعادة هندسة الإقليم عبر إضعاف الدول المحورية.
والسودان، بحكم موقعه وتاريخه ووزنه، هو أحد مفاتيح هذه المعادلة. لذلك فإن معركة السيادة السودانية هي معركة إقليمية بامتياز. ومن هنا فإن المطلوب ليس إدارة الأزمة، بل إدارة المشروع الوطني الذي يحول الأزمة إلى طاقة تأسيس.
إن عاشوراء تعلمنا أن الحق لا ينتصر بالعدد، بل باليقين، وأن الدولة لا تصمد بالشعارات، بل بالمؤسسات، وأن الشعب لا يصبر على الخوف إلى الأبد، بل يحتاج إلى أفق إنتاج وكرامة وأمان.
وهذا هو جوهر الرؤية التي يقدمها الدكتور محمد عوض متولي: أن نرد على مشروع التفكيك بمشروع التأسيس، وأن نرد على حصار الخارج بتماسك الداخل، وأن نجعل من عاشوراء السودان بداية عهد جديد عنوانه السيادة والوعي والعمل…



