مقالات الظهيرة

تحية لقلمٍ اختار الخندق ولم يختر الفندق!!

بقلم /ابوعبيدة أحمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية مجلس الصداقة الشعبية العالمية

=======================

تحية إجلال وتقدير للدكتور عبد الرؤوف قرناص، ولجميع الصحفيين والإعلاميين الوطنيين الذين جعلوا أقلامهم في خدمة السودان، وكتبوا من أجل الوطن والوطنية، وانحازوا إلى وحدة الدولة وسيادتها وجيش الوطن، بعيداً عن المزايدات والحسابات الحزبية والشخصية.

 

من الوفاء أن نقولها في صدر المقال قبل أن نقول أي شيء آخر: لقد أعجبني مقال الدكتور عبد الرؤوف قرناص، لا لأنه كتب ما نحب أن نسمعه فحسب، وإنما لأنه ذكّرنا بمعنى عظيم ينبغي ألا يغيب عن السودانيين في هذه المرحلة المفصلية: أن الوطنية ليست شعاراً، وإنما موقف، وأن الوطن ينبغي أن يبقى فوق الأشخاص والأحزاب والمصالح والمناصب.

 

والتحية له ليست تحية لشخص بعينه فحسب، وإنما هي تحية لكل قلم سوداني شريف اختار أن يكتب من أجل وطنه، ولكل صحفي وإعلامي ومفكر ومثقف جعل ضميره رقيباً على كلماته، ولم يسمح للخلاف السياسي أن يحوّل قلمه إلى معول يهدم الدولة أو يسيء إلى مؤسساتها الوطنية.

 

إننا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى صحافة وطنية مسؤولة؛ صحافة لا تخاف من النقد، لكنها لا تخلط بين النقد والهدم، ولا بين المعارضة السياسية والعداء للدولة، ولا بين المطالبة بالإصلاح وإضعاف المؤسسات الوطنية في وقت الحرب.

 

ومن هنا كانت عبارة الدكتور قرناص عن «جنود في الخنادق… وسياسيين في الفنادق» مؤثرة؛ لأنها تضع أمامنا مشهداً يستحق التأمل.

 

هناك جندي سوداني يقف في الخندق، يسهر على الحدود، ويواجه الخطر، ويضع حياته في كفة والوطن في الكفة الأخرى.

 

وهناك مواطن صابر، نزح من داره، وفقد عزيزاً، وتحمل قسوة الحرب، ومع ذلك ظل يحلم بالعودة إلى وطن آمن موحد.

 

وهناك في المقابل من يمارس السياسة من الخارج، ويتنقل بين العواصم والمؤتمرات، ويتحدث عن مستقبل السودان، بينما الشعب ينتظر نهاية الحرب وبداية مرحلة البناء.

 

ولا يعني هذا أن السياسي لا حق له في الكلام، أو أن الاختلاف جريمة.

 

كلا.

 

فالاختلاف السياسي حق، والنقد حق، والمطالبة بالإصلاح حق، والتطلع إلى حكم رشيد حق مشروع لكل سوداني.

 

لكن هناك فارقاً عظيماً بين أن تختلف مع حكومة أو مسؤول أو سياسة، وبين أن تضعف الدولة نفسها، أو تساوي بين مؤسسة الدولة وبين مليشيا حملت السلاح عليها.

 

الدولة أكبر من الحكومة، والوطن أكبر من الحزب، والجيش الوطني أكبر من الخلاف السياسي العابر.

 

نحن لا نقول إن القوات المسلحة فوق النقد، ولا نقول إن مؤسسات الدولة لا تحتاج إلى إصلاح.

 

بل نقول إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بإضعاف الدولة وهي تواجه حرباً، وإنما ببناء مؤسسات أقوى وأكثر مهنية وعدالة، وبإعلاء القانون، وبإعادة الحياة السياسية إلى مسارها الوطني.

 

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى من يسأل فقط: من سيحكم؟

 

بل يحتاج إلى من يسأل قبل ذلك:

 

كيف نوقف الحرب؟

كيف نحفظ وحدة السودان؟

كيف نعيد النازحين؟

كيف نعمر ما دمرته الحرب؟

كيف نعيد بناء مؤسسات الدولة؟

وكيف نجعل القرار السوداني سودانياً؟

 

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تشغل الوطنيين.

 

ولذلك فإن تحيتنا للدكتور عبد الرؤوف قرناص هي في الوقت ذاته تحية لكل الصحفيين الوطنيين الذين يكتبون اليوم بضمير حي، ولكل من يرى أن القلم أمانة، وأن الكلمة قد تبني وقد تهدم، وأن الإعلام في زمن الحرب مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أن يكون مهنة.

 

تحية لكل قلم يقف مع الحقيقة.

 

تحية لكل قلم يدافع عن السودان دون أن يغلق باب النقد.

 

تحية لكل صحفي يرفض أن يكون وطنه سلعة في سوق السياسة.

 

وتحية لكل من أدرك أن جيش الوطن لا ينبغي أن يكون مادة للمساومة السياسية، كما أن الشعب السوداني لا ينبغي أن يكون وقوداً لصراع النخب على السلطة.

 

إن الخندق اليوم ليس مجرد موقع عسكري.

 

إنه امتحان للضمير الوطني.

 

والفندق ليس مذموماً في ذاته، وإنما المذموم أن يتحول إلى مكان تُدار منه معارك السلطة، بينما يُترك الوطن وحده في مواجهة النار.

 

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من هذه الحرب أن السودان يحتاج إلى رجال دولة، لا مجرد طالبي سلطة؛ وإلى إعلاميين يحملون أمانة الكلمة، لا تجار أزمات؛ وإلى سياسيين يختلفون على البرامج، لا على الوطن؛ وإلى جيش وطني قوي يحمي الدولة، وإلى مؤسسات مدنية قوية تدير الدولة.

 

فإذا انتهت الحرب، فلن يكون السؤال فقط: من انتصر؟

 

بل سيكون السؤال الأهم:

 

ماذا سنفعل بهذا الانتصار؟

 

هل نبني دولة تتسع لكل السودانيين؟

 

هل نرد المظالم؟

 

هل نعمر المدن والقرى؟

 

هل نعيد للنازحين كرامتهم وبيوتهم؟

 

هل نفتح صفحة جديدة يتقدم فيها السودان على الأشخاص؟

 

هذا هو التحدي الحقيقي.

 

ومن هنا نقول للدكتور عبد الرؤوف قرناص: شكراً لك على كلمة وطنية صادقة لامست وجداننا، والتحية لك ولأمثالك من الصحفيين الوطنيين الذين ما زالوا يؤمنون بأن القلم يمكن أن يكون جندياً من جنود الوطن.

 

ولكل قلم سوداني حر:

 

اكتبوا للسودان…

اكتبوا لوحدة السودان…

اكتبوا لسلام السودان…

اكتبوا لكرامة شعب السودان…

واكتبوا لجيش السودان الذي يحمل في هذه المحنة عبء الدفاع عن الدولة.

 

فالصحافة الوطنية ليست أن تصفق دائماً، وليست أن تعارض دائماً.

 

الصحافة الوطنية أن تقول الحق، وأن تضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.

 

وفي النهاية سيبقى الوطن.

 

أما الأشخاص والمناصب والتحالفات فكلها عابرة.

 

السودان أولاً…

والسودان أخيراً…

وما بين الأول والآخر، لا مكان إلا للسودان.

 

أبوعبيدة أحمد علي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى