الأخبار الاقتصادية

السودان تحت المقصلة: كيف تدير الإمارات حرب الإغتيال الاقتصادي للأمة السودانية من الذهب إلى الوقود – تشريح الانهيار المنظم حتى 17 سبتمبر

بقلم / الدكتور محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

*سبتمبر 2026م*

______________

إن ما يجري في السودان اليوم ليس أزمة اقتصادية عابرة ولا تقلبات سعر صرف ولا إفرازات حرب داخلية كما يحاول البعض أن يصور الأمر، إن ما يجري هو إغتيال اقتصادي منظم لأمة بأكملها ينفذ بدقة هيدروليكية عالية وفقا لنظرية المؤسسات الاستخلاصية التي شرحها كتاب لماذا تفشل الأمم، والتي تؤكد أن الدول لا تموت من الفقر بل تموت حين تتحول مؤسساتها إلى أدوات لنهبها من الداخل لصالح الخارج، وهذا بالضبط ما يطبق على السودان حتى صباح هذا اليوم الخميس 17 سبتمبر 2026م. فبلغة الأرقام ، الناتج المحلي الإجمالي السوداني انحدر إلى 31.51 مليار $ في عام 2025م بنمو سالب -0.4%، ونصيب الفرد لا يتجاوز 624 $ في العام، بينما قفز التضخم إلى 56.39% في فبراير 2026م ثم انخفض ظاهرياََ إلى 40.22% في مارس 2026م حسب الجهاز المركزي للإحصاء، وهذا ليس تعافياََ بل هو خداع إحصائي فج لأن القوة الشرائية إنهارت تماما.

فالجنيه السوداني الذي كان قبل الحرب في أبريل 2023م يساوي 560 جنيه/ $ قفز في السوق الموازي حتى 3,750 جنيه/ $ في يناير 2026م ثم تجاوز 6,000 جنيه/ $ في يونيو 2026م فاقداََ أكثر من 90% من قيمته منذ بداية الحرب وصولاََ إلى تسعيرة البنوك التجارية في 31 مايو 2026م عند 3,282.02 جنيه/ $ للشراء و 3,322.26 جنيه/ $ للبيع بينما مكاتب الصرافة تبيع بـ 3,865.89 جنيه/ $.

وهذا يعني أن متوسط دخل الأسرة السودانية إنخفض بنسبة 46% مقارنة بما قبل الحرب وأن الإحتياطي النقدي الأجنبي لبنك السودان المركزي إنخفض إلى ما دون 700 مليون $ لا يغطي سوى 19 يوم إستيراد بينما المعيار الدولي الآمن هو 90 يوم وأن حجم الكتلة النقدية M2 تضخم إلى أكثر من 15 تريليون جنيه سوداني نتيجة الطباعة التمويلية لعجز موازنة تجاوز 5.9% وأن نسبة التحصيل الضريبي لا تتجاوز 4.8% من الناتج وهي من الأدنى عالميا مما يعني أن الدولة لا تمول نفسها بل تطبع عملة لتأكل نفسها وسعر الذهب العالمي قفز إلى 3,670 $ للأونصة في 15 سبتمبر 2026م.

 

وجوهر هذه الحرب المنظمة يكمن في تدمير الميزان التجاري، فالسودان الذي كان يصدر 4.1 مليار $ أصبح يستورد 10.4 مليار $ بعجز تجاري تاريخي تجاوز 6.8 مليار $ حسب بيانات البنك الدولي WITS المحدثة في مارس 2026م، فالصادرات الزراعية إنهارت بنسبة 43% وصادرات الثروة الحيوانية التي كانت عمود الاقتصاد إنهارت بنسبة 55% وعائدات النفط إنخفضت بأكثر من 50% بعد تدمير مصفاة الجيلي ولم يبق للسودان سوى الذهب ليحمله وهنا كانت الطعنة الكبرى المدبرة، فالسودان أنتج في 2024م حوالي 64 طن من الذهب وفي 2025م أنتج حوالي 70 طن لكن البنك المركزي سجل صادرات رسمية لا تتجاوز 14.7 طن فقط بقيمة 1.536 مليار $ في 2025م مقارنة بـ 22.9 طن في 2024م رغم أن الذهب يمثل أكثر من 50% من إيرادات التصدير الرسمية، فأين ذهب الفارق!!! ؟؟؟ ، تشير تقديرات منظمة الشفافية السودانية ووكالة بلومبرغ وتقرير تشاتام هاوس إلى أن ما بين 48% إلى 60% من إنتاج الذهب يتم تهريبه عبر قنوات غير رسمية واعترف وزير المالية جبريل إبراهيم نفسه بأن 20 طن فقط من أصل 70 طن تم تصديرها عبر القنوات الرسمية وهذا يعني أن المهرب 50 طن في 2025م وكل طن ذهب مهرب يمثل خسارة مباشرة قدرها 118 مليون $ على الخزينة بسعر 3,670 $ للأونصة.

فالخسارة 5.9 مليار $، أي ما يعادل كامل فاتورة الغذاء والدواء والوقود للسودان لمدة عام كامل، وما قيمته مليارات الدولارات خرجت من الاقتصاد الوطني وتم غسلها عبر دبي التي استقبلت 865 مليون $ فقط في 2025م نزولا من 1.5 مليار $ في 2024م، و 382 كيلو ذهب إلى قطر بقيمة 41 مليون $ و 294 كيلو إلى إثيوبيا بقيمة 31 مليون $، ثم أعيد تصدير الذهب المهرب من مصر وتركيا بعد صهره ومسح بصمته كذهب نزاع.

وهذا الذهب المهرب هو الذي يمول الحرب هو وقود الحرب هو الذي يشتري السلاح والوقود والمسيرات للطرفين كما وثقت ذلك تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة ومنظمة غلوبال ويتنس وتقرير تشاتام هاوس الأخير الذي أكد وجود عملية تهريب وقود صناعية من ليبيا عبر قوات خليفة حفتر وحركة سبل السلام تغذي بها مليشات الدعم السريع في الحرب ضد السودان.

 

وعندما يفقد الاقتصاد عملته الصعبة تأتي الحلقة الثانية من الحرب المنظمة وهي حرب الوقود، فالسودان يستورد وقودا بـ 807 مليون $ سنويا وهي السلعة الأكثر استهلاكا وعندما تقف 6 بواخر محملة بالمشتقات البترولية في المياه الإقليمية عاجزة عن التفريغ لأن بنك السودان المركزي عاجز عن توفير الدرهم الإماراتي وعندما يبيع البنك الدرهم بـ 1,400 جنيه بينما سعره الحقيقي يتجاوز ذلك بكثير فهذا يعني أن البنك تحول من منظم نقدي إلى تاجر يمارس دعماََ مقنعا بـ 500 جنيه لكل درهم وهذا هو المدخل المباشر لعجز تاريخي كارثي وتوفير 210 مليار جنيه شهرياََ كانت تذهب لجيوب المضاربين والنتيجة أن سعر لتر الديزل في جوبا المجاورة وصل إلى 18,500 جنيه جنوبي وفي بورتسودان تضاعف سعر المانجو الواحدة من 1,600 جنيه إلى 2,300 جنيه في أسبوع واحد بسبب كلفة النقل التي ارتفعت 40%.

ومن خلال معلومات متواترة ومستوثقة من واقع السوق فإن ما يحدث ليس صدفة، إن الإمارات وعبر مليشياتها التجارية من سماسرة ومافيا الوقود والسلع الإستراتيجية تخطط لإضعاف قبضة السلطات السودانية على مقود التحكم في إيقاع حركة السوق والتجارة الداخلية والخارجية والاقتصاد السوداني ككل ، فهي التي تستحوذ على 21.3% من صادرات السودان وتستقبل الذهب المهرب عبر طرق وعواصم دول مجاورة مختلفة وتعيد تصديره، وهي التي تتحكم في تمويل بواخر الوقود بالدرهم الإماراتي وتتركها محتجزة لتخنق العاصمة والولايات، وهي التي تمول شبكات التهريب عبر المثلث الليبي التشادي المصري لتجفيف منابع النقد الأجنبي وشل حركة الحياة، وتراخي الأجهزة السيادية السودانية مع الفوضى الضاربة في قطاع النفط ومشتقاته سيضاعف الأزمة التي بات واضحاََ أنها تحتاج إلى تدابير أكثر صرامة لمنع تدحرج كرة الثلج.

 

إن السودان اليوم يحتاج إلى غرفة قيادة وسيطرة حقيقية لمواجهة حرب إقتصادية شاملة تقف على رأسها دولة الإمارات، وسموا الأشياء بمسمياتها فليس للشعب السوداني ما يخسره.

فحتى تاريخ اليوم يعيش السودان تحت ضغط 75% تضخم متوسط وفق صندوق النقد الدولي و 94.2% من العمالة تعمل في القطاع غير الرسمي و 46.5% من السكان تحت خط الفقر وأكثر من 14 مليون نازح و 21 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد. هذه ليست أزمة اقتصادية هذه جريمة إقتصادية مكتملة الأركان حرب إقتصادية منظمة تستهدف تفكيك الدولة السودانية عبر تجفيف مواردها وهي نفس الآلية التي وصفها جون بيركنز في كتابه الاغتيال الاقتصادي للأمم حيث لا تحتاج إلى إحتلال بلد لتدميره يكفي أن تسيطر على عملته ومينائه وذهبه. ولذلك فإن الإنتصار في هذه الحرب يبدأ بإعلان حالة الطوارئ الاقتصادية….

وتشكيل مجلس سيادة إقتصادية برئاسة رئيس مجلس السيادة بصلاحيات مطلقة ووقف بيع الدرهم الإماراتي بالخسارة والتعامل به فوراََ… وإصدار مرسوم سيادي يلزم كل منتج ومصدر بتوريد 100% من حصيلة الذهب عبر بنك السودان المركزي خلال 72 ساعة ومن يخالف يصنف مهرباََ للاقتصاد الوطني… وإنشاء بورصة الذهب الوطنية في بورتسودان فوراََ…

وشراء الذهب من المعدنين بسعر البورصة العالمية مطروحاََ منه 3% رسوم سيادية وقطع الطريق على سوق دبي ومصر وغيرهما وتحرير البواخر الست المحتجزة ودفع مستحقاتها من عائدات الذهب المصادرة مباشرة وفك خنق الوقود وإغلاق ثغرة الوقود الليبي المهرب بنشر قوات مشتركة على مثلث العوينات وتجميد الإستيراد الكمالي لـ 47 سلعة لمدة 6 أشهر يوفر 1.2 مليار $ سنويا. ثم يأتي المستقبل بهيكلة بنك السودان المركزي وتحويله من تاجر عملة إلى منظم نقدي مستقل وربط إصدار العملة بغطاء ذهبي جزئي 20% وتأسيس شركة السودان القابضة للذهب والمعادن تملك الدولة 51% منها تحتكر التصدير والتكرير وإنشاء سجل بلوك تشين لتتبع الذهب من الحفرة إلى السبائك وإصلاح الميزان التجاري عبر زراعة 2,000,000 فدان قمح وعباد شمس في الشمالية ونهر النيل لتوفير 800 مليون $ فاتورة قمح وإعادة تأهيل مشروع الجزيرة لإنتاج 500,000 طن قطن طويل التيلة وتنويع الموانئ بتشغيل ميناء أوسيف وسواكن وربطها بخط سكة حديد بورتسودان – أبو حمد وإصلاح النظام الضريبي برفع نسبة التحصيل من 4.8% إلى 12% عبر الفوترة الإلكترونية وتخفيض الضريبة على الإنتاج الزراعي إلى 0% وإطلاق الجنيه الرقمي السوداني e-SDG لوقف طباعة العملة وإلغاء فئة 1,000 جنيه المزورة.

وإنشاء صندوق سيادي للأجيال يودع فيه 30% من كل صادرات الذهب على غرار التجربة النرويجية. أما الضمانات التي تمنع تكرار الانهيار فهي ضمان دستوري يحرم تمويل الموازنة من طباعة العملة ويجعل التهريب الأقتصادي جريمة خيانة عظمى وضمان مؤسسي بإنشاء مفوضية مكافحة الفساد الناعم تتبع للسيادي مباشرة تراجع عقود الذهب والوقود كل 90 يوما وضمان رقابي يلزم بنك السودان بنشر ميزان المدفوعات والاحتياطي أسبوعياََ وضمان جيوبوليتيكي بتنويع الشركاء التجاريين وعدم الاعتماد على سوق واحدة كالإمارات التي تستحوذ على 21.3% من صادراتنا وفتح أسواق قطر وتركيا والصين والسعودية كبدائل استراتيجية لتكسير الاحتكار وضمان شعبي بتحويل 10% من عائدات الذهب مباشرة لدعم الخبز والدواء والوقود عبر بطاقة دعم ذكية حتى يشعر المواطن أن ذهبه يحميه وليس يقتله. يا سادة إن الدول لا تنهار لأنها فقيرة بل لأنها تسمح للصوص أن يكتبوا قوانينها، السودان ليس فقيرا السودان منهوب.

70 طن من الذهب و 43,000,000 فدان صالح للزراعة و 730 كلم ساحل على البحر الأحمر ثم نمد يدنا لوديعة 500 مليون $، هذه هي قمة العبث الجيوبوليتيكي، وما نحتاجه هو قرار سيادي واحد شجاع يعيد الذهب إلى خزينة الدولة ويعيد بنك السودان إلى وظيفته ويعيد الميناء إلى سيادته وعندها فقط سنخرج من هذه الحرب الاقتصادية منتصرين لأن من يملك قرار ذهبه يملك قرار حربه وسلمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى