الأخبار الاقتصادية

هيبة الدولة في اقتصادها.. وفك لجام الامن الاقتصادي ومواجهة المتلاعبين بالسوق

الظهيرة – تقرير: مرتضى أحمد الخليفة.٪:

اصبح الاقتصاد السوداني يمر بواحدة من أصعب مراحله في ظل تداعيات الحرب التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والخدمية وأدت إلى تدمير أجزاء من البنية التحتية وتعطيل عدد كبير من المحال التجارية والإنتاجية إلى جانب ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج والخدمات الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن ومعيشته اليومية

لذلك فان الأزمة الاقتصادية لم تعد قضية أرقام ومؤشرات فقط وإنما أصبحت قضية تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن السوداني من أسعار الغذاء والدواء إلى تكلفة المواصلات والخدمات في وقت تواجه فيه الدولة تحديات كبيرة تتعلق بإعادة تشغيل مؤسساتها واستعادة النشاط الاقتصادي في الولايات والمناطق الآمنة.

*الحرب وفاتورة الاقتصاد*

أدت الحرب إلى خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة توقف أو تراجع العديد من الأنشطة الإنتاجية وتضرر المنشآت والمصانع والأسواق فضلاً عن صعوبة حركة التجارة والنقل بين الولايات

كما ساهمت تكلفة العمليات العسكرية والنفقات المرتبطة بالحرب في زيادة الضغط على موارد الدولة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موارد ضخمة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وإعادة النازحين وتشغيل المؤسسات الصحية والتعليمية والخدمية

وفي ظل هذه الظروف يصبح الحفاظ على ما تبقى من الموارد الاقتصادية مسؤولية وطنية لأن أي فاقد إضافي في موارد الدولة ينعكس في النهاية على المواطن

*السوق وفوضي التجار*

وبجانب آثار الحرب المباشرة يواجه المواطن تحديات أخرى داخل الأسواق تتمثل في الارتفاع المستمر في أسعار بعض السلع والمضاربة والاحتكار والتهريب والتلاعب في العملات والسلع الاستراتيجية

ولا يمكن بطبيعة الحال تحميل الحرب وحدها مسؤولية كل ارتفاع في الأسعار فهناك عوامل متعددة تتداخل في تحديد أسعار السلع والخدمات من تكاليف الإنتاج والنقل إلى توفر النقد الأجنبي وحجم العرض والطلب

لكن في المقابل فإن وجود متلاعبين يستغلون الأزمات لتحقيق أرباح غير مشروعة يمكن أن يزيد من حدة الأزمة ويضعف ثقة المواطن في السوق والدولة معاً.

*تفعيل الأجهزة الرقابية*

تحتاج الدولة في هذه المرحلة إلى تفعيل الأجهزة المختصة بالرقابة الاقتصادية فك لجام جهاز الأمن الاقتصادي ومنحه الإمكانات اللازمة للقيام بمهامه وفق القانون مع تعزيز التنسيق بينه وبين الشرطة والنيابة والجهات العدلية والسلطات المحلية

فالرقابة الحقيقية لا تقوم على الحملات المؤقتة التي تبدأ وتنتهي خلال أيام وإنما تحتاج إلى عمل مؤسسي مستمر يقوم على جمع المعلومات ومراقبة حركة السلع ومتابعة الأسواق ورصد عمليات التهريب والاحتكار والتلاعب ثم إحالة المخالفات إلى الجهات العدلية المختصة ومحاكمات فوريه وفي ميادين عامه

كما أن وجود عناصر رقابية ومصادر معلومات موثوقة داخل الأسواق والأحياء يمكن أن يساعد الدولة في اكتشاف المخالفات مبكراً و أن يتم ذلك وفق الأطر القانونية بعيداً عن التشهير أو تصفية الحسابات أو الاتهامات التي لا تستند إلى أدلة

*القانون فوق الجميع*

الاقتصاد لا يمكن أن يستقر إذا شعر البعض بأنهم فوق القانون

ومن هنا فإن المطلوب هو تطبيق القانون على الجميع دون استثناء التاجر الكبير والصغير والمستورد والموزع وكل من يثبت تورطه في جرائم اقتصادية

وفي المقابل فإن مكافحة الجريمة الاقتصادية لا تعني إلغاء الإجراءات العدلية أو استبدال القضاء بالميدان العام كما زكرت في المقال وإنما تعني سرعة التحري والتحقيق وإحالة المتهمين إلى القضاء حتى تصدر الأحكام وفق الأدلة والقانون

فالدولة القوية ليست التي تعاقب خارج القانون وإنما التي تجعل القانون حاضراً وسريعاً وعادلاً

*لجان مجتمعية ولكن بضوابط*

ومن الوسائل التي يمكن أن تسهم في ضبط الأسواق إنشاء لجان مجتمعية في الأحياء والأسواق تكون مهمتها الرصد والتبليغ والتعاون مع الأجهزة الرسمية

هذه اللجان يمكن أن تكون حلقة وصل بين المواطن والجهات الرقابية خصوصاً في الأحياء والأسواق التي يصعب على الأجهزة الرسمية تغطيتها بصورة مستمرة

لكن يجب أن تكون صلاحيات هذه اللجان واضحة ومحددة وألا تتحول إلى أجهزة اعتقال أو محاكمة لأن تنفيذ القانون من اختصاص مؤسسات الدولة

كما يجب اختيار أعضائها وفق معايير واضحة حتى لا تتحول إلى وسيلة للخصومات الشخصية أو استهداف التجار والمواطنين دون بينة

*حماية السلع الاستراتيجية*

تحتاج الدولة كذلك إلى وضع رقابة خاصة على السلع الأساسية والاستراتيجية وعلى رأسها الغذاء والدواء والوقود لأنها الأكثر ارتباطاً بحياة المواطن

ويجب أن تمتد الرقابة إلى مراحل الإنتاج والاستيراد والتخزين والتوزيع وليس فقط. بل إلى مرحلة البيع النهائي

فإذا تمت مراقبة التاجر الأخير بينما توجد مشكلة في حلقات الاستيراد أو النقل أو التخزين فإن النتيجة لن تكون معالجة حقيقية للأزمة

ولهذا فإن بناء قاعدة بيانات دقيقة عن حركة السلع وأسعارها ومخزونها يمكن أن يساعد الدولة في اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة

*العملة الوطنية . *قضية أمن اقتصادي*

يظل استقرار العملة الوطنية أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد السوداني

فارتفاع سعر العملات الأجنبية ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المستوردة كما يؤثر على تكلفة الإنتاج والنقل والخدمات

لكن معالجة مشكلة العملة لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها بل تحتاج إلى سياسات اقتصادية ونقدية متكاملة وزيادة الإنتاج والصادرات وترشيد الاستيراد وتحسين إدارة موارد الدولة ومحاربة التهريب وتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي

الأمن الاقتصادي والقواعد الاقتصادية السليمة يجب أن يسيرا معاً

*تعدين الذهب يحتاج إلى حماية*

يمثل قطاع التعدين وعلى رأسه الذهب مورداً مهماً للاقتصاد السوداني ولذلك فإن حماية هذا المورد من التهريب والتلاعب أصبحت ضرورة

المطلوب هو تنظيم عمليات الإنتاج والشراء والتصدير وتشجيع المنتجين على التعامل عبر القنوات الرسمية مع توفير بيئة تمكن الدولة من الاستفادة من مواردها بصورة أكبر

كما يجب أن ترتبط عائدات التعدين بتنمية المناطق المنتجة عبر الخدمات والبنية التحتية والصحة والتعليم حتى يشعر المواطن بأن موارد منطقته تعود عليه بالنفع

*من يراقب الاقتصاد*

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل تمتلك الدولة آليات كافية لمراقبة الأسواق وملاحقة الجرائم الاقتصادية

الإجابة تحتاج إلى عمل مؤسسي يبدأ من حصر الأسواق والأنشطة التجارية ومعرفة حركة السلع والأموال وتحديد المسؤوليات بين الجهات المختلفة

كما أن الرقابة الإلكترونية واستخدام البيانات يمكن أن يلعبا دوراً مهماً في كشف أنماط التلاعب بدلاً من الاعتماد فقط على الحملات الميدانية

وإعادة بناء الثقة

لان الاقتصاد لا يقوم على القوانين وحدها وإنما على الثقة

المواطن يحتاج إلى الثقة بأن السلعة التي يشتريها بسعر معين لا ترتفع بصورة مصطنعة في اليوم التالي والتاجر يحتاج إلى بيئة قانونية واضحة والدولة تحتاج إلى معرفة أن مواردها لا تتسرب عبر التهريب والفساد

ولهذا فإن مواجهة الأزمة الاقتصادية يجب أن تجمع بين الرقابة والإنتاج

لا يكفي أن نراقب السوق إذا كان الإنتاج ضعيفاً ولا يكفي أن نزيد الإنتاج إذا كانت الأسواق غير منضبطة

َولكن الصحيح هو إنتاج أكثر تهريب أقل رقابة أقوى وقانون يطبق على الجميع

*السودان يحتاج إلى اقتصاد حرب وإعمار في الوقت نفسه*

في ظل استمرار تداعيات الحرب فإن الدولة مطالبة بالتعامل مع الاقتصاد باعتباره جزءاً أساسياً من معركة بقاء الدولة وإعادة بنائها

لكن الاقتصاد لا يمكن أن يبنى على العقوبات وحدها وإنما يحتاج إلى تحريك عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي والحيواني ودعم المنتجين وتسهيل حركة السلع بين الولايات وتشجيع الاستثمار وتوفير التمويل، وحماية الأسواق من الممارسات غير المشروعة

فالمنتج السوداني يجب أن يجد الحماية والتشجيع والمزارع يجب أن يجد التمويل والمصنع يجب أن يجد الكهرباء والمواد الخام والتاجر يجب أن يجد القانون واضحاً أمامه

*في البريد رسائل مهمه*

السودان أمام معركة اقتصادية لا تقل أهمية عن معركة استعادة الأمن والاستقرار

الحرب دمرت الكثير، لكن إعادة البناء تحتاج إلى دولة قوية في مؤسساتها واضحة في قوانينها وحاضرة في أسواقها

وتفعيل الأجهزة الرقابية الاقتصادية وتشديد مكافحة التهريب والاحتكار والمضاربة وتنظيم الأسواق وحماية السلع الاستراتيجية وملاحقة الجرائم الاقتصادية عبر القضاء، كلها خطوات يمكن أن تسهم في استعادة الانضباط والثقة

وهيبة الدولة تبدأ من احترام القانون وهيبة الاقتصاد تبدأ من حماية موارد البلاد.

فإن المطلوب ليس دولة تخيف المواطن أو التاجر وإنما دولة تجعل الجميع يحترمون القانون دولة يعرف فيها المواطن أن حقوقه محفوظة ويعرف فيها من يتلاعب بقوت الناس أن المحاسبة حاضرة وأن القضاء هو الفيصل

اقتصاد السودان يحتاج إلى حماية وموارده تحتاج إلى حراسة وأسواقه تحتاج إلى رقابة والقانون يجب أن يكون فوق الجميع ولاكبير عليه ولنا عوده وتقارير اكثر وضوح وشفافية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى